*اللغة الأخلاقية كأداة خداع سياسي*
2026/02/14
 
151

حسين العادلي

*أخطر سياسةٍ ليست تلك التي تفتقر إلى الأخلاق، بل تلك التي تحتكرها.*

• أخطر ما في الخداع السياسي هو اللغة الأخلاقية.

• نادراً ما يُفصح السياسي عن طموحه ورغباته وأجنداته بلغة واضحة ومباشرة، بل يتوارى وراء لغةٍ أخلاقية لتصدير نفسه. فالمصلحة تُخفى وتُستبدل بالقيمة، والمنفعة تُغطّى وتُستدعى المُثُل.
وهنا تبدأ أخطر مستويات الخداع، فحين تُلبَس الحياة السياسية لباساً أخلاقياً، تُستَهلَك القيم انتهازياً لتسويق السياسة ورجالها ومصالحها. وحين تربط السياسة نفسها بالأخلاق، يغدو نقدها وكأنه طعنٌ في الفضيلة ذاتها.

• تجهد السياسة، وكذلك السلطة، لصناعة "شرعية نفسية" لدى الجمهور عبر توظيف الشرعية الأخلاقية في الخطاب والأداء السياسي.
وحين يقتنع الناس أن القرار "أخلاقي"، فإنهم لا يطيعون فقط، بل يبرّرون، بل أحياناً يدافعون عنه ضد أنفسهم. وهكذا يتحول الخطاب الأخلاقي من وسيلة توجيه للنّاس إلى أداة تحصين للسياسي.

• توظيف اللغة الأخلاقية سياسياً يُنشئ منطقة محرّمة للنقاش.
فمن يعترض على "استخدام القيم" في السياسة يبدو بلا قيم، ومن يشكّك في "نهج حماية السيادة" يُتَّهَم بالخيانة، ومن يسأل عن كلفة "المغامرات" يُوصَم بالجبن.
هكذا تتحوّل الكلمات إلى دروع، ليست مهمتها توضيح القرار، بل تحصينه من النقد.

• السياسة بطبيعتها إدارة مصالح. والمشكلة ليست في وجود المصالح، بل في إنكارها والاختباء وراء التجريد الأخلاقي.
حين تُدار المصالح بوضوح، يمكن فهمها وتأطيرها وفق القانون. أما حين يُعمّى عليها، فإنها تدخل دائرة المحظور.

• كذلك، حين تُقدَّم المصالح كحقائق أخلاقية مطلقة، فإنها تُخرَج من دائرة النقاش وتُدخَل في دائرة الإيمان.
وهنا يكمن الفرق بين القيمة والسياسة: القيمة تسعى إلى الإطلاق، أما السياسة فهي بطبيعتها نسبية، تفاوضية، محكومة بموازين القوة والواقع والمصلحة.
وحين تختلط الدائرتان، يتضخم الخطاب ويُعمّى الأداء وتضيق المساءلة.

• ليست كل لغة أخلاقية خداعاً، لكن أخطر أنواع الخداع هو الذي يستعير لغة الخير ليخفي بها نيّة المصالح أو تعقيدها.
السياسي الذي يقول: "هذا قرار صعب لحماية توازنات ومصالح معينة"  أقل خطراً من الذي يقول: "هذا واجب أخلاقي لا يُناقش".
لأن الأول يعترف بالطبيعة السياسية للفعل، أما الثاني فيحوّل السياسة إلى موعظة.
والسياسة حين تتحول إلى موعظة، تصبح مساءلتها خطيئة.

• الدولة الناضجة لا تحتاج إلى الإفراط في استدعاء القيم كلما قررت، فهي تشرح، وتبرّر، وتتحمل النقد، وتقبل المراجعة.
أما الدولة القلقة التي يحكمها الخداع السياسي، فترفع منسوب اللغة الأخلاقية كلما ضعفت حججها الواقعية.

• اللغة الأخلاقية حين تُستخدم بصدق، تُهذّب السياسة. لكن حين تُستخدم كستار، تُفسد الأخلاق ذاتها.
وأخطر ما في الأمر أنّ تكرار هذه اللغة يُربك وعي المجتمع، فتتآكل المعايير، وتختلط القيمة بالمصلحة، حتى يصبح الناس عاجزين عن التمييز بين ما هو أخلاقي حقاً، وما هو سياسي يرتدي قناع الأخلاق.

• الخداع السياسي لا يبدأ بالكذب، بل يبدأ بالكلمات الأخلاقية التي لا يُسمح بمساءلتها.
وحين تصبح اللغة أداة تحصين للسياسة والسلطة بدل أن تكون أداة كشف ومساءلة، تنتقل الأخلاق من كونها معياراً للحكم على السياسة، إلى كونها أداة في يد السياسة نفسها.
وهنا لا تُخدَع العقول فقط، بل تُدنَّس الضمائر.

• أخطر سياسة ليست تلك التي تفتقر إلى الأخلاق، بل تلك التي تحتكرها. فقد يضبط القانون السياسة التي لا تلتزم مرجعيات أخلاقية محددة، لكن، السياسة التي تحتكر الأخلاق لن يضبطها القانون ولا القيم. فحين تصبح الأخلاق ملكاً للسياسة والسلطة، يُدان الاعتراض، ويُجرَّم السؤال، ويُعاد تعريف الخير ليخدم المصالح والنفوذ والقوة.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟