*دولة على كتف بطل*
2026/02/12
 
126

حسين العادلي

*الدولة التي تمشي وفق قواعدها تستطيع أن تغيّر قياداتها دون أن تتغيّر قواعدها. أما الدولة التي تُحمَل على كتف بطل، فإن كل تغيير في الكتف هو تغيير في المسار.*

• ثمة دولٌ تمشي على قدمين من مؤسساتٍ راسخة وإرادةِ شعب، وثمة دولٌ تُحمَل على كتف بطلٍ وزعيمٍ وصورةٍ عابرة.

• حين تُحمَل الدولة على كتف بطل، لا يعود السؤال عن الدولة، بل عن الأشخاص. ولا عن: كيف يعمل النظام؟ بل: كيف يفكر الرجل؟ ولا يُقاس الاستقرار بمتانة القواعد، بل بطبيعة الإرادة. ولا يُفهم القرار في سياقه المؤسسي، بل في سياق الشخصية.

• الصورة جذابة: بطلٌ قويّ يحمل وطناً كاملاً فوق كتفه، يتقدّم به وسط العواصف. الناس تحب هذه الصورة؛ فهي تمنحهم إحساساً بالأمان السريع. شخصٌ واحد يبدو كافياً ليحمل عنهم التعقيد، ويتخذ القرار بدلاً منهم، ويختصر الدولة في إرادة.

• لكن الدولة، بطبيعتها، ليست شيئاً يُحمَل، بل تُعقَل وتُفهَم وتُدار كمكنةٍ ومساراتٍ ومجالات. 
الدولة كيانٌ معقّد؛ شبكةُ علاقات، وتوازنُ مصالح، وقواعدُ تُعقلن وتضبط وتوجّه القوة قبل أن تُطلقها. وحين تختصر كل ذلك في إرادةٍ محددة وكتفٍ واحد، فإنك لا تقوّي الدولة، بل تُضعفها من حيث لا تدري، لأن ما يُحمَل على كتفٍ واحد يسقط بسقوط الكتف.

• الدول التي تحتاج بطلاً دائماً هي دولٌ لم تكتمل مؤسساتها بعد. كلما تعثّر النظام، ارتفعت صورة الفرد، وكلما ظهرت أزمة، ارتفعت نبرة الخطاب. دولةٌ كهذه تتحوّل القرارات فيها إلى ملاحم، والإجراءات إلى بطولات، والخلافات إلى معارك وجودية. ومع كل رفعٍ للصورة، يزداد اعتماد الدولة على الرمز بدل البنية.

• المشكلة ليست في وجود قادةٍ أقوياء، بل المشكلة أن تصبح قوة الدولة مساوية لقوة شخص، أو أن تفوق صورتُه صورتَها. عندها يرتبط الاستقرار بمزاج، وترتبط السياسات بحضور، وترتبط الهيبة بصورة. وحين يغيب الشخص، أو يضعف، أو يُخطئ، لا تهتز صورته وحدها، بل تهتز الدولة معه، وإذا سقط، قد تسقط به.

• الدولة التي تمشي وفق قواعدها تستطيع أن تغيّر قياداتها دون أن تتغيّر قواعدها. أما الدولة التي تُحمَل على كتف بطل، فإن كل تغيير في الكتف هو تغيير في المسار. وهذا أخطر ما في الأمر: أن يصبح الوطن رهينة وعيٍ وإرادةٍ وقدرةِ فرد، مهما كان مخلصاً أو قوياً، فضلاً عن أن يكون نرجسياً، أو أتت به الصدفة، أو طفحت به المتغيرات.

• البطولة بطبيعتها استثناء، بينما الدولة كيانٌ دائم. والاستثناء لا يصلح أن يكون قاعدة. الحماسة لا تصلح أن تكون نظاماً، والكاريزما لا تصنع مؤسسات. قد تُلهِم، قد تُحرّك، قد تُعبّئ، لكنها لا تُنشئ سياقاتٍ مستدامة، ولا تبني آليات مساءلة، ولا تضمن استمراريةً عادلة.

• الأشد خطورة: أنّ الصورة حين تتضخّم، تتضخّم معها التوقعات. كل نجاح يُنسَب إلى البطل، وكل إخفاق يُبرَّر له، حتى تتراكم الفجوة بين الخطاب والواقع. وحين يصطدم الواقع بحدود القدرة، ينفجر الوهم. وحين يزول الوهم، لا يسقط البطل وحده، بل تسقط الثقة معه، ويتحوّل الإيمان إلى شك، والحماسة إلى مرارة.

• الدولة الناضجة لا تُحمَل على أكتاف أشخاص، بل تقوم على قواعد مؤسسات. لا تحتاج إلى تضخيمٍ دائم للذوات كي تستمر، ولا إلى ملاحم يومية لتبرّر وجودها. الدولة السليمة تعمل بهدوء، تُحاسِب، تُراجع، تُصحّح، وتمضي. ووجود القائد فيها يأتي ضمن سياق مؤسساتها وإرادة أمتها، لا فوقهما.

• الدولة التي تحتاج كتفاً لتُحمَل، لا تقوى على السير على قدميها. قد تبدو قوية في الصورة، لكنها كسيحة في الجوهر، لأن الدولة لا تُقاس بقوةِ من يحملها، بل بصلابة ما تقوم عليه من بُنى. 

• الدولة التي تقوم على قواعد راسخة تبقى، مهما تبدّل الحَمَلة، وتغيّرت الأكتاف.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟