*من له الحقّ المغامرة بالدولة؟*
2026/02/12
 
143

حسين العادلي

*حين تتحول السياسة إلى اندفاع أيديولوجي، أو نزوة زعامة، أو رغبة في تسجيل لحظة تاريخية، يبدأ خطر المغامرة.*

• الدولة ليست حقل تجارب، ولا منصة إثبات ذات، ولا مشروعاً مؤقتاً يُختبر ثم يُستبدل.
الدولة كيان أمة، وتاريخ متراكم، وأجيال متعاقبة، ومؤسسات راسخة، وثقة شعبٍ أُودعت في يد من يتصدّر القرار.
ومن لا يحتمل ثقل الأمانة، فليبحث عن مغامرة تخصّه، لا عن مغامرة تخص وطناً ومصيراً.

• السؤال هنا ليس استفهاماً لغوياً، بل محكمةً أخلاقية:
من له الحقّ في المغامرة بالدولة؟

• المغامرة قد تُفهم في المجال الفردي بوصفها شجاعة.
لكن حين تتصل بالدولة، تتحول إلى مقامرة نخبوية أو حزبية بمصير جماعي.
والدولة ليست ملكاً لأحد حتى يُغامر بها.

• من يتولى إدارتها ليس مالكاً، بل مؤتمناً.
والمؤتمن لا يملك حقّ المخاطرة بما اؤتمن عليه خارج حدود الضرورة والمعيار والمصلحة والمساءلة.
هنا يتبدل معنى الجرأة:
فالجرأة في إدارة الدولة ليست قفزاً في المجهول، بل حساباً دقيقاً للمآلات.
وليست كسراً للقواعد، بل إصلاحاً دون هدم الأساس.

• حين تتحول السياسة إلى اندفاع أيديولوجي، أو نزوة زعامة، أو رغبة في تسجيل لحظة تاريخية، يبدأ خطر المغامرة.
كم من قرارٍ رُفع شعاراً للكرامة، فإذا بثمنه يُدفع من خبز الناس وأمنهم.
وكم من مواجهةٍ وُصفت بالشجاعة، فإذا بها تستنزف الدولة وتُربك مستقبلها.

• السؤال الأخطر ليس: هل القرار جريء؟
بل: هل القرار محسوب؟
فالدولة لا تُدار بالشجاعة وحدها، بل بالبصيرة.
ولا تُحمى بالحنجرة، بل بعقلٍ استراتيجي يعرف الكلفة قبل الحماسة.

• أخطر صور المغامرة أن يُختزل مصير الدولة في إرادة شخص.
حين يذوب الفرق بين الدولة والحاكم، تصبح كل نزوةٍ قراراً وطنياً، وكل طموحٍ شخصي مقامرة عامة.
وهنا تدخل الدولة منطقة المخاطر المفتوحة.

• المغامرة لا تكون في الحرب فقط، بل في الاقتصاد، والإدارة، والتموضع، والتحالفات.
كل قرار يُتخذ بلا حساب كلفة، بلا رؤية مآل، بلا استعداد لتحمّل النتائج، هو مغامرة.

• الدولة لا تسقط فقط بالهزيمة، بل بالقرارات غير المحسوبة التي تُتخذ باسم القوة والطموح والحماسة.
فالقوة بلا عقل عبء، والطموح بلا مؤسسة خطر، والحماسة بلا حساب خراب.

• من له الحقّ في المغامرة بالدولة؟
لا أحد.
لكن من له الحقّ في اتخاذ قرارات فارقة؟
من امتلك الشرعية والكفاءة، وقدرة تقدير العواقب، وقَبِل الخضوع للمساءلة.

• الفارق بين القرار والمغامرة هو المسؤولية.
القرار يُبنى على معرفة، ويُقاس بنتائجه، ويُحاسَب صاحبه عليه.
أما المغامرة، فتبني على رغبة، وتُراهن على الحظ، وتترك الدولة تدفع الفاتورة.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟