*السياسة الواقعية بين الاعتراف بالواقع والرضا به*

2026/02/12

254
حسين العادلي
• ليست السياسة الواقعيّة مدرسةً في البرود الأخلاقي، ولا تمريناً على
التخلّي عن القيم، ولا حيلةً لغويّة لتجميل الهزيمة. إنّها -وببساطة-
محاولة عقلانيّة لإدارة الممكن في عالمٍ لا يقوم على النوايا وحدها،
ولا يكافئها.
• السياسة الواقعيّة تنطلق من الاعتراف بالواقع لا من الرضا عنه.
فالاعتراف ليس استسلاماً، بل شرط الفعل. ومن يُنكر الواقع لا يغيّره،
بل يتركه يعمل ضدّه، ويُسلِّمه لمن يفهمه ويتحكّم به.
هكذا تتحوّل الواقعيّة إلى أداة مقاومة ذكيّة لا إلى لغة تبرير.
• جوهر السياسة الواقعيّة هو التمييز: التمييز بين الهدف والوسيلة،
بين الثابت والمتغيّر، بين ما يمكن الدفاع عنه الآن وما يجب تأجيله،
وبين خسارةٍ تُدار وخسارةٍ تُبدِّد القدرة. فمن دون هذا التمييز،
تتحوّل السياسة إمّا إلى شعارات طوبائية تُفقِد الدولة أدواتها، أو
إلى مغامراتٍ مكلِّفة تُفقِدها وجودها.
• في السياسة الواقعيّة، لا تُقاس السيادة ومسطرة المصالح بعلوّ
الخطاب والحماسة الغبية، بل بقدرة السياسة على المنفعة والدولة على
القرار.
ولا تُقاس الحلول والتسويات بنقائها الأخلاقيّ، بل بقدرتها على حماية
الجوهر ومنع التآكل. فالسيادة والتسوية هنا ليستا نقيضين، بل أداتين
تُداران داخل سياق واحد: سياق حماية الدولة، وصيانة المجال الوطني من
الانهيار.
• لا تعد السياسة الواقعيّة بانتصاراتٍ دائمة كما تفعل السياسة
المؤدلجة، ولا تُسوِّق لخسارةٍ خاليةٍ من الألم كما يصوّرها السُذَّج
من السَّاسة.
السياسة الواقعيّة تُدير التوقّعات بقدر ما تُدير الوقائع، لأنّ
الفجوة بين الوعد والقدرة هي المصدر الأوّل للانكسار السياسي والوطني.
فحين تُحمَّل الدولة ما لا تملك، يُصبح الفشل قدراً، وتتحوّل الهزيمة
إلى نتيجةٍ منطقية للوهم لا لقلّة الشجاعة.
• كما أنّ السياسة الواقعيّة لا تُخاصِم المجتمع ولا تُداريه.
إنّها تُصارحه بالحقيقة الممكنة وتكاليفها، وتُشركه في الفهم. لأنّ
الشرعيّة ليست تفويضاً مطلقاً للحكم، بل علاقة ثقة تُبنى وتُصان. ومن
دون هذه الثقة، تصبح القرارات الصحيحة هشّة، وتغدو الخيارات الصعبة
مستحيلة.
• وليست الواقعيّة غياباً للقيم، بل ترتيباً لها.
فالقيم التي لا تُترجَم إلى سياساتٍ قابلة للحياة تتحوّل إلى عبءٍ
رمزيّ، وإلى شعاراتٍ تُحرج الدولة بدل أن تحميها. أمّا حين تُدار
القيم ضمن الممكن، فإنّها تُصبح سنداً للدولة لا عبئاً عليها.
• السياسة الواقعيّة ترفض وهم الحسم النهائي.
فالعالم متغيّر، وموازين القوّة متحرّكة، وما يُعدّ مكسباً اليوم قد
يحتاج إلى مراجعة غداً. لذلك هي سياسة مراجعةٍ مستمرّة، لا عقيدة
جامدة، تُحسن تعديل المسار دون أن تفقد البوصلة.
بهذا المعنى، ليست الواقعيّة سياسة الضعفاء ولا الأقوياء، بل سياسة
الواعين بحدودهم. فالقدرة الحقيقيّة لا تظهر في إنكار الحدود، بل في
العمل داخلها لتوسيعها على المدى البعيد، وفي تحويل الضيق إلى مساحة،
والتهديد إلى فرصة، واللحظة إلى مشروع.
• في النهاية، ليست السياسة الواقعيّة أن تختار دائماً ما هو سهل، بل
أن تختار ما هو ممكن دون أن تفقد الاتجاه.
هي سياسة تعرف متى تُقاوِم، ومتى تُساوِم، ومتى تنتظر، ومتى تتحرّك،
من دون أن تُسلِّم القرار، أو تُبدِّد المصلحة، أو تخسر الكيان.
ومن دون هذه الواقعية في السياسة فإنك تُسلِّم الدولة للنّحر أو
الإنتحار.