*ما لا يتعلّمه الشَّعب من الحكم*

2026/02/07

291
حسين العادلي
*ما لا يتعلّمه الشعب من الحكم، لا يضيع، ولا يُنسى. بل يتحوّل إلى
قدرٍ مؤجَّل، يعود في كل جيل، بوجوهٍ جديدة، لكن بالعطب
نفسه.*
• الحكم ليس امتحاناً للحكّام وحدهم، بل اختبارٌ دائم للمجتمع الذي
يعيش في ظله.
ومع ذلك، نادراً ما تتحوّل تجربة الحكم إلى تعلّمٍ شعبيٍّ متراكم.
فما لا يتعلّمه الشعب من الحكم، غالباً، أخطر وأبقى من أخطائه
العابرة.
• أوّل ما يعجز المجتمع عن تعلّمه هو أن الحكم لا يُفسد وحده.
فالاستبداد لا يعيش على القمع فقط، بل على القبول، وعلى صمتٍ طويلٍ
يُسمّى تعقّلاً، أو واقعية، أو خوفاً مشروعاً.
وحين يُختزل الفشل في الحاكم، يُمحى دور التواطؤ الاجتماعي الذي سمح
له بالاستمرار.
• التواطؤ لا يعني دائماً المشاركة المباشرة، بل القبول الرمادي.
أن ترى الخطأ وتُدير وجهك، أن تعرف الفساد وتتكيف معه، أن تُبرّر
الصمت بحجج النجاة.
هذا النوع من التواطؤ لا يصنع الطغاة، لكنه يوفّر لهم بيئة آمنة.
• ومن أخطر ما لا يتعلّمه الشعب من الحكم، أن الفساد ليس انحرافاً
طارئاً، بل منظومة. وحين يُفهم الفساد بوصفه "أخطاء أفراد"، لا "شبكة
مصالح"، يُغضّ الطرف عن المحسوبية، وتُطبَّع الواسطة، ويُعاد تعريف
الظلم بوصفه "حظاً سيئاً".
المحسوبية، حين تُصبح قاعدة اجتماعية، تُدمّر فكرة العدالة قبل أن
تُدمّر الدولة.
فالشعب الذي يتكيّف مع الواسطة، ولو مكرهاً، يتعلّم النجاة لا
المعيار.
ومع الوقت، يتحوّل الظلم من مشكلة أخلاقية إلى مهارة اجتماعية.
• كما لا يتعلّم المجتمع أن غياب المحاسبة ليس خللاً تقنياً، بل
ثقافة.
فحين لا يُسأل صاحب القرار، ولا يُحاسَب الفاسد، ولا تُربَط النتائج
بالأسباب، تفقد التجربة معناها، ويتحوّل الحكم إلى سلسلة وقائع بلا
ذاكرة.
• ومن عوامل عدم التعلّم أيضاً، غياب الحسّ الجماعي.
حين تُفكَّك فكرة "نحن"، ويحلّ محلّها منطق "الفرد الناجي"، فلا يعود
التاريخ مشتركاً، ولا الفشل مسؤولية عامة،.. كلٌّ يحمّل غيره العبء،
فيبقى العبء قائماً.
• الخلفية الثقافية والسياسية تلعب دوراً حاسماً في هذا العجز.
مجتمعات تربّت على الطاعة لا السؤال، وعلى الامتثال لا النقد، تقرأ
الحكم بعين التقديس أو الشيطنة، لا بعين التفكيك.
ودون التفكيك، لا يتكوّن وعي، بل تتكرّر الدائرة.
• ومن أكثر ما لا يتعلّمه الشعب من الحكم، أن الغضب لا يكفي.
الاحتجاج لحظة، أمّا التعلّم فمسار. ومن لا يحوّل الغضب إلى معايير
جديدة، سيعود إلى النقطة نفسها، وقد استنزف طاقته الأخلاقية.
• العدمية عامل خفيّ لكنه شديد التأثير.
ذلك الشعور الجمعي بأن "لا جدوى"، وأن "الجميع متشابهون"، وأن "الفشل
قدر".
هذه العدمية لا تُنتج وعياً، بل شللاً، ومجتمع مُشلول لا يتعلّم، حتى
وهو يصرخ.
• ومن أخطر أشكال العجز عن التعلّم، تطبيع الفشل.
حين يصبح الفساد خبراً عادياً، وسوء الإدارة "مرحلة"، هنا، لا يعود
الانهيار صدمة، بل نظاماً مستقراً.
وعندها يُطالَب الحكم فقط بأن يكون أقلّ فجاجة، لا أكثر عدالة.
• ما لا يتعلّمه الشعب من الحكم أيضاً، أن التاريخ لا يعيد نفسه صدفة.
بل لأن الأخطاء غير المفهومة، وغير المُحاسَبة، لا تموت.
ومن لا يفهم كيف خسر، سيخسر مجدداً، ولكن بخسائر أوسع، وفرص أقل.
• الحكم لا يُصلح المجتمع تلقائياً، وسقوطه لا يُنتج وعياً
تلقائياً.
التعلّم فعلٌ شاقّ، يبدأ من الاعتراف بالدور، لا من البحث عن
شماعة.
• في العمق، لا يفشل الشعب في التعلّم لأن الدرس معقّد، بل لأن
الاعتراف مُكلِّف.
فالاعتراف يعني الإقرار بالدور، وبالصمت، وبالتكيّف، وبالتنازلات
الصغيرة التي صُنِع منها الخراب الكبير.
وما دام الاعتراف مؤجَّلاً، سيبقى التعلّم مستحيلاً.
• التاريخ لا يخدع، ولا يجامِل، ولا يُعيد نفسه بدافع الحنين.
هو يعود لأن الشروط لم تتغيّر، ولأن الوعي لم يُنتَج، ولأن المجتمع
يفضّل إعادة الخطأ على مواجهة الذات.
فأسهل من إسقاط حاكم، هو إعفاء النفس.
• الحكم لا ينجو من شعبٍ واعٍ، كما أن الشعب لا ينجو من حكمٍ يشبهه.
فالعلاقة بينهما ليست صراعاً أخلاقياً صافياً، بل مرآة قاسية.
وحين تكون المرآة مكسورة، لا يعود أحد قادراً على رؤية وجهه
كاملاً.
• الفساد، في جوهره، ليس فقط سرقة المال، بل سرقة المعنى.
سرقة فكرة العدالة، وفكرة الجدارة، وفكرة أن يكون للخطأ ثمن.
ومجتمعٌ تُسرق معاييره، لا يعود قادراً على التعلّم، لأن بوصلته لم
تعد تشير إلى شيء.
• أشدّ أشكال الهزيمة ليست القمع، بل التكيّف معه. وليست الخسارة، بل
الاعتياد عليها.
حين يصبح الخراب مألوفاً، يتوقّف التاريخ عن التحذير، ويبدأ في
التوثيق فقط.
• في النهاية، ما لا يتعلّمه الشعب من الحكم، لا يضيع، ولا يُنسى. بل
يتحوّل إلى قدرٍ مؤجَّل، يعود في كل جيل، بوجوهٍ جديدة، لكن
بالعطب نفسه.
ومن يرفض التعلّم من الحكم، لا يعيش خارج التاريخ، بل يُستَخدَم
فيه،
وقوداً لتكراره.