*حين تفشل السُّلطة في تعليم السَّاسة*
2026/02/06
 
185

حسين العادلي

• ليس كالسلطة مدرسةً تزخر بالمعنى والتجربة والنضج، فالسلطة أمّ المران، وأبّ الخبرة.
ومن يدخلها ينبغي أن يخرج أعمق فهماً، أوسع أفقاً، وأثقل مسؤولية.
وحين تفشل السلطة في تعليم الساسة، فذلك ليس لأن الدروس غائبة، بل لأن القابلية مفقودة.

• ليست كل سلطة مُعلِّمة، ولا كل ساسة متعلّمين.
فالسلطة تُكثّف التجربة، لكنها لا تصنع الوعي تلقائياً.
ومن يدخلها باستعداد ضحل وعقلٍ مغلق، يخرج منها أكثر تفاهةً، وأكثر تصلّباً، لا أكثر نضجاً.

• يفشل التعلّم السياسي حين يُختزل الحكم في النزوة والامتياز، وحين يُمارَس كغريزة شبق منقطعة عن الأثر والمسؤولية.
عندها تتحوّل السلطة من مختبر معرفة إلى غرفة دفاع، ويتحوّل الحكم من عبء أخلاقي إلى ممارسة أنانية.

• بعض الساسة لا يرون في السلطة فرصة للتعلّم، بل فرصة للاختبار الأخير.
كأنهم بلغوا أقصى ما يمكن أن يبلغوه من "تحقيق الذات"، فلم يعودوا يسألون، ولا يشكّكون، ولا يُراجعون.
وكل سؤال جديد يُعدّ تهديداً، لا إضافة، وفضحاً لا مساءلة.

• أخطر ما في فشل التعلّم السياسي أنه يُقنِع صاحبه بأنه يتقن ما يجهله.
فيتحوّل الجهل إلى ثقة، والثقة إلى تهوّر، والتهوّر إلى سياسة.
وحين يبلغ السياسي هذه المرحلة، لا يعود قابلاً للتعلّم، لأنه لم يعد يرى نفسه تلميذاً للحكم، بل وصياً عليه. 

• حين تفشل السلطة في التعليم، تتكرّر الأخطاء، لا لأن الظروف متشابهة، بل لأن الاستعداد الأخلاقي والمعرفي هو نفسه. فتُدار الأزمات بذات الأدوات، وتُتَّخذ القرارات بذات المزاج، وتُعاد المقامرات بذات الخفّة، وكأن التجربة لم تمرّ.
أخطر ما في هذا الفشل أن السلطة تتحوّل من مُصحِّح إلى مُضاعِف. فتُضخّم العيوب بدل أن تُهذّبها، وتكشف الهشاشة بدل أن تُعالجها، وتُراكم الغرور بدل أن تُنتج تواضعاً سياسياً.

• بعض الساسة لا يتعلّمون، لأنهم دخلوا السلطة لا ليُختبروا، بل ليُبرَّروا.
كل تجربة عندهم دليل صواب، وكل نتيجة تبرير لاحق، وكل فشل مؤامرة مؤجَّلة.
وهكذا تُفرَّغ التجربة من معناها، وتتحوّل إلى درعٍ ضدّ الحقيقة وضد مصالح الجمهور. 

• السياسي الذي لا يتعلّم من السلطة، يبدأ بتعلّم الأسوأ منها.
يتعلّم النفاق بدل الحقيقة، والتبرير بدل التصحيح، والالتفاف بدل المواجهة، وتأجيل الكلفة بدل إدارتها.
وهكذا تُستبدل الحكمة بالحيلة.

• في الدول الفاشلة، يكون فشل التعلّم قاتلاً. لأن كل قرار غير محسوب لا يمرّ وحده، بل يجرّ خلفه سلسلة من الكلف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما لا يمكن جبرانه.
وحين لا يتعلّم السياسي من الخطأ، يدفع المجتمع ثمن التكرار.

• أخطر أشكال الجهل السياسي هو الجهل الذي يلبس ثوب الخبرة.
سياسيٌّ يحفظ اللغة، ويتقن التوازنات، ويُدير المواقع، لكنه عاجز عن رؤية الأثر، أو تحمّل الكلفة، أو الاعتراف بالحدود.
هذا سياسي لا يحكم، هذا يُدير أعطالاً.

• حين تفشل السلطة في التعليم، تتحوّل الدولة إلى حقل تجارب مغلق.
تُجرَّب فيه السياسات على المجتمع، لا لصالحه بل عليه،
بلا مساءلة، وبلا ذاكرة، وبلا اعتراف.
وتُقدَّم كل جولة فشل بوصفها "خبرة إضافية"،
بينما هي في الحقيقة خسارة مركّبة.

• السلطة لا تُعلّم مَن لا يعترف بالخطأ، ومَن يرى في الخطأ إهانة لا فرصة، ومَن يعتبر المراجعة ضعفاً، لا شرطاً للبقاء.
فالتعلّم السياسي يبدأ من لحظة الاعتراف، لا من لحظة التبرير والمكابرة. 

• حين تفشل السلطة في التعليم، تُنتج ساسة يُراكمون الزمن لا الخبرة.
يحكمون طويلاً، لكنهم لا ينضجون.
يتقدّمون في المواقع، ويتراجعون في الفهم.
ومع كل سنة إضافية، تصبح الدولة أفقر عقلاً، لا أغنى تجربة.
أخطر ما في هذا الفشل أنه يُطيل عمر العجز، عجز الدولة. 
لأن السياسي الذي لم يتعلّم، لا يعرف متى يتوقّف، ولا متى يُصحّح، ولا متى ينسحب، فيُدير الدولة بعقل البدايات، حتى وهو في نهاياتها.

• السلطة لا تفشل في تعليم الساسة صدفة.
تفشل حين تُكافئ الصمت لا السؤال، والولاء لا الكفاءة، والبقاء لا الأثر، وعندما يسود التواطؤ العام. 
وحين تقوم على هذا المنطق، لا تُنتج رجال دولة، بل محترفي سلطة.

• في السياسة، لا يكفي أن تحكم، المهم أن تتعلّم.
ومن لم يتعلّم من السلطة، سيتعلّم المجتمع بسببه، لكن بكلفة أعلى، وأقسى، وأطول زمناً، من التيه والفوضى والتقهقر.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟