*من الدولة العقائدية إلى الدولة الوظيفية*
2026/02/05
 
61

حسين العادلي

*الدولة حين تُصاب بالعقيدة تفقد وظيفتها، وتتحوّل من دولة تُدار إلى دولة تُبشِّر، ومن نظامٍ يُحاسَب إلى سرديّةٍ تُقدَّس.*

• الدولةُ العقائديّة لا تُدار، بل تُروى.
وحين تُروى الدولةُ بدلَ أن تُدار، يصبح المواطنُ جزءاً من السرديّة، لا صاحبَ حقٍّ فيها.
من هنا يبدأ الإنحراف الأكبر: حين تُستبدَل وظيفةُ الدولة برسالتها، ويُستبدَل القانونُ بالعقيدة، وتتحوّل السياسةُ من حِرفةٍ تُحاسَب إلى نبوءةٍ تُصدَّق.

• ليست الدولة مشروعَ خلاص، ولا منبرَ دعوة، ولا آلةً لإنتاج اليقين. الدولة - في معناها الأصيل- جهازٌ لإدارة الواقع: أمنٌ وعدالة، قانونٌ ومؤسسات، تنظيمٌ للمصالح، وضبطٌ للصراع. لكنّ الدولة حين تُصاب بالعقيدة تفقد وظيفتها، وتتحوّل من دولة تُدار إلى دولة تُبشِّر، ومن نظامٍ يُحاسَب إلى سرديّةٍ تُقدَّس، ومن مؤسسةٍ تُنجز إلى خطابٍ يُعبِّئ.

• الدولة العقائدية لا تسأل: ماذا ينفع؟ بل تسأل: ماذا يجب أن نؤمن به؟ وحين تُستبدل الأسئلة العملية بأسئلة الإيمان السياسي، يتغيّر معيار الشرعية، ولا يعود الإنجاز هو المقياس، بل الولاء، ولا يعود القانون هو المرجع، بل الزعيم، ولا تعود السياسة حرفة، بل رسالة. وهكذا تُستبدل الدولة بالمعنى، وتُستبدل الإدارة بالتمثيل، وتُستبدل مصالح الناس بصورةٍ عنهم.

• في الدولة العقائدية تُصبح السياسة امتحان انتماء لا ساحة حلول. تُصبح اللغة أداة حكم، لا أداة وصف. يُعاد تعريف الفشل بوصفه بطولة، ويُعاد تعريف الهزيمة بوصفها صموداً، ويُعاد تعريف الخراب بوصفه "ثمناً تاريخياً". 
بهذه اللغة تُنقَذ السلطة من المحاسبة، ويُؤجَّل الإصلاح باسم المرحلة الاستثنائية، وتُعلَّق السياسة باسم الخطر الدائم. وحين تُعلَّق السياسة، لا يبقى من الدولة إلا شكلها: مؤسساتٌ قائمة لكنها معطّلة، قوانينٌ مكتوبة لكنها مُفرغة، جهازٌ حاضر لكنه لا يعمل لصالح المجتمع بل لصالح الرواية.

• أما الدولة الوظيفية فهي نقيض هذا الوهم. ليست دولة بلا قيم، بل دولة تحمي القيم من التحوّل إلى سلاح. ليست دولة بلا رموز، بل دولة تمنع الرموز من اختطاف الواقع. لا تُنافس المجتمع على ضميره، ولا تُلاحقه في أفكاره، ولا تطلب منه التصديق، بل تلتزم بالإنجاز. شرعيتها ليست في الخطاب، بل في الأثر. معيارها ليس "النقاء"، بل الكفاءة. قوتها ليست في الشعارات، بل في القدرة على القرار والتنفيذ والتصحيح.

• في الدولة الوظيفية، القانون أعلى من الأشخاص، والمؤسسات أعلى من النوايا. الحاكم ليس "تجسيداً للأمة"، بل موظفٌ كبير: يُراقَب، يُحاسَب، ويُستبدَل. لأن الدولة التي لا تستطيع تغيير حاكمها دون أن تهتز، ليست دولة مؤسسات بل دولة أفراد. 
والفكرة في الدولة الوظيفية لا تتحول إلى قيدٍ على السياسة، بل إلى برنامجٍ قابل للقياس والمراجعة، لا قداسة في المجال العام، ولا عصمة في القرار العام.

• السياسة في الدولة الوظيفية ليست وعداً بالخلاص، بل إدارةٌ للممكن. ليست نشيداً طويلاً، بل عملٌ يوميّ صعب. 
هي حِرفة: تركيب توازنات، وإدارة مصالح، وتقليل خسائر قبل ادّعاء انتصارات. وهي تعترف بثلاث حقائق لا ينجو من تجاهلها أحد: أن الموارد محدودة، وأن المجتمع متعدّد، وأن الدولة لا تستطيع إرضاء الجميع، لكنها تستطيع أن تمنع الظلم عن الجميع.
الوظيفة هنا هي "التركيب": أن تركّب الممكن دون أن تفقد الاتجاه، وأن تُدير التناقضات دون أن تنفجر الدولة، وأن تُصلح دون أن تُزيّف الواقع. 

• الدولة الوظيفية لا تزعم أنها ستصنع الجنة، لكنها تمنع تحوّل الأرض إلى جحيم. لا تراهن على المعجزات، بل على المؤسسات. لا تُقدِّس السرديات، بل تُقدِّس الحقوق. ولهذا لا تُبشِّر، بل تُدار.
والفارق في النهاية واضح: الدولة العقائدية تُنتج الولاء وتفشل في إدارة الواقع، والدولة الوظيفية تُدير الواقع فتستحق الولاء.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟