*سياسة بلا أوهام*
2026/02/03
 
142

حسين العادلي

• أخطر ما تواجهه الدول في لحظات الضغط ليس العدوّ الخارجي، ولا الانقسام الداخلي، بل الأوهام التي تُدار بها. فالدولة قد تُهزَم في معركة وتنهض، وقد تخسر نفوذاً وتستعيده، لكنها حين تبني سياساتها على أوهام، تفقد قدرتها على التعلّم، وتدخل مسار تآكلٍ صامت.
والأوهام لا تأتي منفردة، بل يتغذّى بعضها من بعض، حتى يصبح الوهم نظاماً كاملاً لإدارة القرار.

• أول هذه الأوهام: وهم القوّة المطلقة. أن تتصرّف الدولة كما لو أنّ ميزان القوّة ثابتٌ إلى الأبد لصالحها، وأن تتجاهل التحوّلات، وتُفسِّر التحذير بوصفه تشكيكاً، والنقد بوصفه خيانة. في هذه الحالة لا تُدار القدرة، بل تُستهلك، ولا يُحمى القرار، بل يُدفَع إلى الاصطدام. فالقدرة التي لا تُدار بعقلٍ واعٍ، تتحوّل إلى اندفاعٍ يستهلك رصيد الدولة قبل أن يثبت قدرتها.

• الوهم الثاني: وهم الأيديولوجيا. حين تُدار الدولة بعقيدة جامدة تُقدَّم بوصفها تفسيراً كاملاً للعالم، تُعطَّل القدرة على المراجعة، ويُستبدَل التحليل باليقين، والسياسة بالإيمان. الأيديولوجيا هنا لا تُنتج سيادة، بل تُنتج عمًى عن الواقع، فتُحوّل الخطأ إلى فضيلة، والفشل إلى مؤامرة، وتستبدل سؤال «كيف ننجح؟» بسؤال «كيف نُبرِّر؟». وحين تصبح السياسة دفاعاً عن العقيدة لا دفاعاً عن الدولة، تُصبح الدولة أسيرة خطابها.

• الوهم الثالث: وهم الانتفاخ والغطرسة. أن تُخدَع الدولة بصورتها عن نفسها، فتُضخِّم وزنها، وتُقلِّل من شأن الآخرين، وتُخطئ في تقدير ردود الفعل. وهذا الوهم لا يظهر في الخطب وحدها، بل في القرارات التي تُتَّخذ بلا حساب كلفة، ثم يُطالَب المجتمع بتسديد ثمنها. فالغطرسة ليست موقفاً نفسياً فقط، إنها خطأ في الحساب، والخطأ في الحساب قد يكلّف الدولة ما لا تملك.

• الوهم الرابع: وهم أمجاد الماضي وتلبُّسها في اللاوعي السياسي. حين يُدار الحاضر بعين التاريخ لا بعقل الواقع، وتُستحضَر لحظات القوّة القديمة بوصفها دليلاً دائماً على القدرة، يتحوّل الماضي من مصدر خبرة إلى قيدٍ نفسي يمنع التكيّف. فالتاريخ الذي لا يُفكَّر فيه نقدياً، يُعاد تمثيله بوصفه قدراً، ويُصبح استدعاء الأمجاد بديلاً عن بناء القدرة. والماضي حين يتحوّل إلى معيارٍ مطلق، يُفسد قراءة الحاضر ويُعطّل صناعة المستقبل.

• الوهم الخامس، وهم الجهل بالذات وبالآخر. الجهل بالقدرة الحقيقية وبحدود الإمكان وبمستوى التماسك الداخلي، يقابله جهلٌ بتطوّر الخصوم، وبسرعة التحوّلات، وبأدوات القوّة الجديدة. وهذا الوهم يجعل القرار يتحرّك في فراغ، لا في عالمٍ حيّ ومتغيّر، لأنّ السياسة التي لا تعرف نفسها ولا تعرف خصومها، لا تستطيع أن تُقدّر المخاطر، ولا أن تبني بدائل، ولا أن تتعلّم من خسائرها.

• في المقابل، سياسة بلا أوهام هي سياسة تعترف بالحدود قبل أن تختبرها. تعرف متى تُصعِّد، ومتى تُناور، ومتى تُساوِم، لا بدافع الضعف، بل انطلاقاً من قراءة دقيقة للذات وللآخر، ولحركة التطوّر من حولها. 
هي لا تُراكم الشعارات، بل تُراكم القدرة على البقاء، ولا تُراكم العناوين، بل تُراكم أدوات القرار.

• سياسة بلا أوهام لا تُخاصِم مجتمعها، ولا تُداريه بالشعارات. تُصارحه بالحقيقة الممكنة وتكاليفها، وتُشركه في الفهم، لأنّ الشرعية لا تُفرَض بل تُبنى. والمجتمع الذي يُفهَم معه القرار أقدر على تحمّل نتائجه من مجتمع يُستدعَى فقط للصمت أو التحمّل. فالتماسك الداخلي ليس زينة وطنية، بل شرط سياديّ.

• كذلك، لا تُراهن الدولة الواقعية على الزمن وحده. فالوقت قد يفتح فرصاً، لكنه قد يُعمِّق الخسائر إن أُهدِر. والسياسات التي تقوم على الانتظار لا على الفعل غالباً ما تُراكم أزمات مؤجَّلة لا حلولاً مؤجَّلة. لذلك فالحكمة ليست أن «ننتظر حتى يتغيّر العالم»، بل أن نتحرّك داخله قبل أن يُغلق منافذه.

• سياسة بلا أوهام لا تطلب من شعبها بطولة دائمة، ولا تَعِده بنصرٍ دائم. تطلب فهماً، وتقدّم حماية، وتُدير الخسارة حين لا يكون الربح ممكناً، من دون أن تُحوِّل الخسارة إلى قدرٍ دائم. لأن الدولة لا تُقاس بقدرتها على رفع السقوف، بل بقدرتها على حماية المجتمع حين يهبط السقف.

• في عالمٍ مضطرب لا تعيش الدول بالأحلام الكبيرة، بل بالحسابات الدقيقة. ولا تسقط حين تُخطئ، بل حين تُكابِر، وحين تُصرّ على تكرار الخطأ باسم الثبات. وفي النهاية، الدولة التي تتخلّى عن أوهامها لا تصبح ضعيفة، بل أكثر قدرة على البقاء. فالقوّة الحقيقية ليست في إنكار الواقع، بل في التعامل معه كما هو. والسيادة ليست في رفع السقوف دائماً، بل في معرفة أين تُرفَع، وأين تُخفَّض، وأين يُعاد بناؤها.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟