*السياسة بوصفها إدارة للربح أو الخسارة*

2026/02/02

93
حسين العادلي
*الدولة التي تفهم السياسة لا تُطارد النصر الكامل، بل تحمي البقاء
الكامل.*
• تميل الخطابات السياسيّة إلى تقديم السياسة بوصفها ساحة انتصارات أو
هزائم، لا بوصفها مجالاً للإدارة.
غير أنّ التجربة التاريخيّة تُظهر أنّ السياسة، في جوهرها، ليست فنّ
تحقيق الربح الدائم، بل فنّ إدارة الكلفة: تقليص الخسارة حين يتعذّر
الربح، وتعظيم المكاسب حين تتهيّأ الفرصة.
• الدولة التي لا تعترف بإمكانيّة الخسارة، تُغامر بكلّ شيء دفعة
واحدة.
فإنكار الخسارة لا يُلغيها، بل يؤجّل ظهورها في صورة أعنف. والسياسة
التي تُبنى على وعدٍ دائم بالربح، تُراكم توقّعات لا تستطيع الوفاء
بها، ثم تُحمِّل المجتمع كلفة الانكسار حين يتبدّد الوهم.
• في المقابل، لا تعني السياسة الواقعيّة الاستسلام للخسارة، بل
إدارتها.
فالخسارة التي تُدار تُحافِظ على القدرة، أمّا الخسارة التي تُنكر
فتُبدّدها. والفرق بين الدول التي تنهض بعد الأزمات وتلك التي تسقط،
ليس في شدّة الضغوط، بل في طريقة التعامل معها.
• الربح في السياسة ليس دائماً انتصاراً واضحاً، قد يكون الربح هو منع
الانهيار، أو كسب الوقت، أو الحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار، أو
حماية جوهر القرار. وفي لحظات معيّنة، يكون أعظم ربح هو الخروج من
الأزمة بأقلّ قدر من التدهور.
• يبدأ الخلل حين تُختزل السياسة في منطق الصفر: إمّا كلّ شيء أو لا
شيء.
هذا المنطق لا يُنتج سياسات، بل يُنتج مقامرات. فالدولة التي تُدير
خياراتها على قاعدة الحسم الكامل، تُغامر بوجودها حين لا تكون موازين
القوّة في صالحها.
• إدارة الربح والخسارة تتطلّب أوّلاً وضوحاً في تعريف المصالح: ما
الذي يجب الدفاع عنه مهما كانت الكلفة؟ وما الذي يمكن التفاوض عليه
دون المساس بالجوهر؟ وما الذي يمكن تأجيله دون أن يتحوّل التأجيل إلى
فقدان دائم؟
من دون هذا التمييز، تتحوّل القرارات إلى ردود فعل، لا إلى
سياسات.
• كما تتطلّب هذه الإدارة شجاعة الاعتراف بالحدود.
فالدولة التي تعرف حدود مصالحها، أقدر على توسيعها لاحقاً، من دولة
ترفع سقوفاً لا تستطيع حمايتها. والاعتراف بالحدود ليس ضعفاً، بل
شرطاً لأيّ توسّع عقلاني.
• في هذا السياق، لا تكون التسوية نقيضاً للسياسة، بل إحدى
أدواتها.
كما لا تكون السيادة حالة جامدة، بل قدرة تُدار. فالسياسة التي ترفض
التسوية مطلقاً، تُضيّق على نفسها هامش المناورة، والسياسة التي
تُفرِط في التسوية تُفرِّغ القرار من معناه.
• المجتمع شريك مباشر في معادلة الربح والخسارة.
فالقرارات التي تُدار من دون شرح، تُستقبَل كخسارة حتى لو كانت في
جوهرها إدارةً للأضرار. أمّا حين يُفهَم القرار، وتُشرَح كلفته
وحدوده، يصبح المجتمع أكثر استعداداً لتحمّل تبعاته.
• السياسة بوصفها إدارةً للربح أو الخسارة لا تبحث عن البطولة، بل عن
الاستمرار. ولا تُقاس بنقاء الشعارات، بل بقدرتها على حماية الدولة
والمجتمع معاً، في الحاضر، ومن أجل المستقبل.
• في النهاية، لا تسقط الدول حين تخسر جولة، بل حين تعجز عن إدارة
الخسارة، أو تُبدّد الربح حين يتحقّق.
فالسياسة ليست وعداً دائماً بالانتصار، بل قدرة مستمرّة على الاختيار:
متى نربح، ومتى نمنع الخسارة، ومتى ننسحب، كي نعود أقوى.
فالدولة التي تفهم السياسة لا تطارد النصر الكامل، بل تحمي البقاء
الكامل.