*الدولة حين تختطفها الرمزية*

2026/02/03

157
حسين العادلي
*الدولة التي تختطفها الرمزية قد تنجح في صناعة الولاء، لكنها تفشل في
إدارة الواقع.*
• لا تُختطَف الدولة دائماً بالانقلاب.
أحياناً تُختطَف بالرمز: حين يُستبدل الحكم بالمعنى، والسياسة
بالشعار، والإدارة بالتمثيل، والشعب بالزعيم.
في هذه الحالة لا يختفي جهاز الدولة، بل يبقى قائماً شكلياً، غير أنّه
يتوقّف عن أداء وظيفته الأساسية: إدارة الواقع، ويتحوّل إلى مسرح رمزي
يُدار فيه الإنتماء بدل المصالح، والولاء بدل الكفاءة، والسرديّة بدل
السياسة.
• الرمزية في ذاتها ليست خطراً.
كل دولة تحتاج رموزاً: علماً، نشيداً، ذاكرةً جماعيّة، قصةَ تأسيس،
بطلَ أمّة.
لكن الخطر يبدأ حين تنقلب الرموز من إطارٍ جامع إلى بديلٍ عن الحكم.
عندها لا يُسأل المسؤول عمّا أنجز، بل عمّا يمثّل، ولا تُقاس السياسة
بنتائجها، بل بمدى انسجامها مع الرواية الرسمية.
هنا لا تُحكَم الدولة، بل تُروى.
• في الدولة المختطَفة رمزياً، يصبح الاقتصاد «معركة كرامة»، وتغدو
الهزيمة «صموداً»، ويُعاد تعريف الفشل بوصفه «تحدّياً تاريخياً».
اللغة هنا ليست أداة وصف، بل أداة نجاة: تُنقذ السلطة من المحاسبة
بتغيير معنى الأشياء.
وتُستخدم الرمزية لتجميد الزمن السياسي: لا إصلاح لأن «المرحلة
استثنائية»، ولا مساءلة لأن «الخطر دائم»، ولا تداول لأن «الرمز لا
يُستبدَل».
في هذا السياق لا تُلغى السياسة، بل تُعلَّق، تُؤجَّل إلى أجل غير
مسمّى، بينما يُدار المجتمع بمنطق التعبئة لا الإدارة.
• الأخطر، أنّ اختطاف الدولة بالرمزية لا يحتاج قمعاً واسعاً. يكفي أن
يُعاد تشكيل الوعي العام حول صورة، أو شعار، أو سرديّة خلاص، فتتراجع
المطالب الواقعية أمام الدفاع عن «المعنى».
وهكذا تُختزل الدولة في: زعيمٍ يُجسِّد الأمة، أو فكرةٍ تُجسِّد
التاريخ، أو رمزٍ يُجسِّد الكرامة. وفي الحالات الثلاث تغيب الدولة
بوصفها جهازاً، وتحضر بوصفها تمثيلاً.
• هذا النمط من الاختطاف يختلف عن الاستبداد الكلاسيكي.
فهو لا يحكم بالخوف وحده، بل بالمشاركة الوجدانية. لا يفرض الصمت، بل
يخلق لغةً لا تسمح بالأسئلة.
ومن يعترض لا يُتَّهم فقط بالخطأ، بل بالخيانة للرمز، والخروج عن
الإجماع، وتشويه المعنى.
وحين تُصادَر السياسة بهذه الطريقة، تتحوّل الدولة إلى كيان هشّ: قويّ
في الخطاب، ضعيف في الأداء، مُنغلق على ذاته، عاجز عن تصحيح
مساره.
وبهذا تؤجّل الرمزية الانفجار، لكنها لا تمنعه.
• الدولة التي تختطفها الرمزية قد تنجح في صناعة الولاء، لكنها تفشل
في إدارة الواقع.
وحين ينهار الواقع، لا تنقذ الرموز الدولة، بل تسقط معها.