
2026/02/02

208
حسين العادلي
*حين تكثر التبريرات اعلم أنّ القيادة غائبة، وحين يُرمى الفشل على
الظروف وحدها اعلم أنّ الدولة تُدار بلا قائد.*
• عندما تغرق الدولة في الأزمات فتفشل، ابحث دائماً عن فشل القيادة
وغياب القادة، قبل أن تسأل عن الموارد والإمكانات والظروف.
فسياسةٌ بلا قيادة تتحوّل إلى مسرحٍ لنجوم الاستعراض: عروضٌ تُلهي بدل
أن تُنجز، وتُساير بدل أن تُصلح، وتخشى القرار أكثر مما تخشى
النتائج.
• القيادة في السياسة ليست منصباً، ولا لقباً، ولا استعراضاً
إعلامياً، بل قدرةٌ على توجيه الدولة وإنتاج المعنى، وإدارة الحاضر
ببصيرة المستقبل: أين نحن الآن؟ لماذا نتحرّك؟ إلى أين؟ وبأيّ ثمن؟
وماذا نريد أن نحمي؟ وماذا سنربح ونخسر؟ ومن دون هذا المعنى تصبح
السياسة مجرّد مهنةٍ مفتوحةٍ للصدفويين والانتهازيين، لا مشروعاً
لدولة ولا عقلاً لمجتمع.
• أخطر ما في غياب القيادة أن الدولة تفقد قدرتها على ترتيب
الأولويات؛ فتساوي بين ما هو مصيري وما هو ثانوي، وتستهلك طاقتها في
تفاصيل لا تستحق، ثم تستيقظ متأخرة أمام ما لا يُحتمل
التأخير.
كما تُنتج السياسة بلا قيادة قراراتٍ متناقضة: تُعلن شيئاً وتفعل
نقيضه، تفتح باباً وتغلقه، تُطمئن الناس بالكلام وتُقلقهم بالفعل؛
فتتآكل الثقة لأن المجتمع لا يفهم: من يقود؟ ومن يقرّر؟ ولماذا؟
• القيادة الحقيقية لا تقوم على الضجيج، بل على منظومةٍ أربع: رؤيةٌ،
وإرادةٌ، وريادةٌ، وقرار. فالرؤية هدفٌ مرن ومتجدد، يقوم على قراءة
عميقة للإمكانات والواقع، ولموازين القوّة، وطبيعة المجتمع، وحدود
الاقتصاد، وخرائط المخاطر، واتجاهات العالم.
• القائد بلا رؤية يُكثر من الحركة لكنه يركض سريعاً إلى المكان
الخطأ. أمّا الإرادة فهي شجاعة دفع الدولة في الاتجاه الصحيح حين تكون
الكلفة عالية والخصوم كثيرين، وهي ليست عناداً يستهلك الدولة، بل
ثباتٌ واعٍ ينقذها من التردّد.
ثم تأتي الريادة بوصفها الانتقال من التردّد وردّ الفعل إلى الهدف
والفعل: أن تصنع الدولة مسارها بدل أن تُساق إليه، وأن تبادر بدل أن
تنتظر.
وحين تغيب الريادة يزدهر نفوذ "غير القادة": تجّار الأزمة، ومقاولو
الولاء، وأصحاب المصالح الصغيرة، فيتوزّع القرار بين أيدٍ كثيرة، بلا
عقلٍ واحد.
• جوهر القيادة يظلّ القرار: الحسم حين يتردّد الجميع. فحين يتأخر
القرار تتحول الدولة إلى رهينة للتوازنات والشارع والخصوم، وربما
رهينة للوقت أو للفوضى. والقائد لا يختار دائماً الأفضل، بل يختار
الأقلّ كلفة حين لا يوجد أفضل، لأن السياسة ليست رفاهية الخيارات بل
فنّ الحسم تحت الضغط. والقرار ليس مقامرة، بل اختيارٌ محسوب له هدفٌ
وسقفٌ وخطّ رجعة، وقدرةٌ على التعديل دون انهيار.
• في السياسة ليست القيادة ترفاً بل شرط بقاء؛ فالدولة بلا قيادة لا
تنهار فجأة، بل تذبل تدريجياً: تتآكل هيبتها، تتراجع قدرتها، تتضخم
أزماتها، ويصير كل حلّ مؤقتاً. القيادة تعني تحمّل المسؤولية لا
توزيعها؛ فحين تكثر التبريرات اعلم أن القيادة غائبة، وحين يُرمى
الفشل على الظروف وحدها اعلم أن الدولة تُدار بلا قائد.
• في النهاية، ليست أخطر الدول تلك التي تخسر معركة أو حتى حرباً، بل
تلك التي تخوض معاركها بلا قائد، وتتحرك بلا رؤية، وتدير حاضرها بلا
مشروع،.. فالسياسة بلا قيادة ليست سياسة، بل دورانٌ وتيهٌ وضلال.