
2026/01/21

220
حسين العادلي
*القيادة التي لا تسمع إلا صدى صوتها، ولا ترى إلا عبر تقارير
مُفلترة، ولا تتعامل إلا مع جمهور مُدرَّب على التصفيق، لا تقود دولة،
بل تصنع سلطةً تذهب بالدولة برحيلها.*
• تفشل الدول بموت قادتها، وتموت القيادة بموت القيم والمعايير التي
تصنع القادة.
فالقيادة ليست أشخاصاً فقط، بل وظيفة تاريخية، وحين تُفرَّغ من
معناها، تسقط الدولة ولو بقي الحاكم.
لا تموت القيادة حين تُخطئ، ولا حين تفشل في قرار، ولا حتى حين تُهزم
في معركة.
القيادة تموت كموقع حين تُختطف بالاستبداد، أو تُذلّ بالضعف، أو
يُجرَّد منصبها من شروطه، وثقله، وأدواره، ومسؤولياته.
تموت حين يُراد لها أن تكون واجهة لا عقلاً، وصورة لا قراراً،
وامتيازاً لا عبئاً.
• تموت القيادة حين تكذب على نفسها أولاً، ثم على الناس، ثم على
الواقع.
حين تنفصل عن الوقائع، وتُصرّ على إدارة الدولة عبر الخطاب لا عبر
الحقائق.
حين يصبح الكلام بديلاً عن القرار، والصورة بديلاً عن الرؤية، والهيبة
المصطنعة بديلاً عن الكفاءة الحقيقية.
في تلك اللحظة، لا تعود القيادة قيادة، بل إدارة وهمٍ منظَّم.
• القيادة ليست منصباً يُشترى، ولا لقباً يُمنح، ولا هالةً
تُصطنع.
هي تميّز في الرؤية، وفطنة في الريادة، وقدرة على اتخاذ الوثبة التي
تصنع التاريخ.
هي حكمة وعزم ومجازفة محسوبة..
وقبل ذلك كلّه، هي مسؤولية ثقيلة، وقرار مكلف، واستعداد دائم لدفع
الثمن.
والقيادة التي لا تسمع إلا صدى صوتها، ولا ترى إلا عبر تقارير
مُفلترة، ولا تتعامل إلا مع جمهور مُدرَّب على التصفيق، لا تقود دولة،
بل تصنع سلطةً تذهب بالدولة برحيلها.
• تموت القيادة حين تتحالف مع الشعار، وتُكثِر الوعود وتُخفي
الكلفة،
وحين تُطمئن الناس بدل أن تُصارحهم،
وحين تُسوّق الصبر بوصفه سياسة، والتكيّف بوصفه حكمة، والخوف بوصفه
استقراراً.
• تموت القيادة حين تُحمِّل المجتمع نتائج قرارات لم يُشارَك في
فهمها،
وحين تُنسب النجاحات إلى الأشخاص،
ويُرمى الفشل على الظروف، أو الأعداء، أو المؤامرات الجاهزة.
فالقائد الذي لا يتحمّل الفشل، لا يستحق أن يُنسب إليه النجاح.
القيادة الحيّة ليست قيادة مُلهمة، بل قيادة صادقة وقاسية عند
اللزوم.
تعرف متى تقول «لا»، لا متى تُرضي الجميع.
وتعرف متى تتراجع، لا متى تُكابر.
وتدرك أن الاعتراف بالخطأ شجاعة، لا ضعفاً،
وأن تحمّل اللوم جزء من الوظيفة، لا تهديداً لها.
• تموت قيادة الدولة حين يُستبدل معيار الكفاءة بمعيار الولاء،
وحين تُدار الدولة بثقة الأشخاص لا بقواعد المؤسسات،
وحين تتحوّل السلطة من أمانة عامة إلى ملكية خاصة،
ومن مسؤولية إلى غنيمة،
ومن خدمة إلى حماية ذاتية.
فالقيادة لا تُقاس بقوة القبضة، بل بسلامة الدولة بعدها.
ولا تُختبر في لحظات الاستقرار، بل في الأزمات،
حين لا تنفع الخُطب، ولا تنقذ الصور، ولا تُجدي الشعارات.
• وتموت القيادة نهائياً حين تخلط بين بقائها وبقاء الدولة،
وحين يُعامل النقد كخيانة،
والمساءلة كمؤامرة،
والاختلاف كتهديد وجودي.
في تلك اللحظة، لا تعود القيادة حارساً للدولة، بل خطراً مباشراً
عليها.
• القيم في القيادة ليست زينة خطابية،
والريادة ليست مغامرة على حساب الناس،
والتضحية لا تعني التضحية بالمجتمع،
بل الاستعداد للتنازل عن الامتياز،
ودفع الثمن السياسي،
وربما المغادرة.. حين يصبح البقاء عبئاً على الدولة.
• تموت قيادة الدولة حين تخاف من الحقيقة أكثر مما تخاف من الفشل،
وحين تفضّل الصمت على المواجهة،
والقمع على الإصلاح،
والإنكار على الاعتراف.
فالدولة لا تنهار فقط حين تُهزم،
بل حين تُقاد بقيادة تخشى الواقع، أو تنكره، أو تلهو عنه، أو تتعالى
عليه.
• وكما تموت القيادة بالقادة الطغاة، لقهرهم الشعوب،
تموت أيضًا بالقادة الضعفاء.. لخذلانهم الأوطان.