
2026/01/21

239
حسين العادلي
*حين تموت السياسة، لا تختفي السلطة، بل تنحدر إلى أشكالها البدائية:
بلطجة باسم الأمن، أو أيديولوجيا باسم الحقيقة، أو رمزية فارغة باسم
الكرامة.*
• لا تموت السياسة فجأة، ولا تُغتال في لحظة، أو حدث، أو قرار.
السياسة تموت ببطء؛ حين تفقد وظيفتها، وقادتها، وثقافتها، ومسارها،
وتبقى باسمها فقط.
تموت حين تُختزل في قوّة بلا قيد، أو في أيديولوجيا بلا مراجعة، أو في
رمز بلا إدارة.
وتموت حين تُستبدل بقوّة الشعار لا بقوّة البرنامج، وبقوّة الحنجرة لا
بقوّة الموقف، وبقوّة الادّعاء لا بقوّة المصداقية.
وحين تُستبدل بالتمثيل، والإنشاد، والتعبئة، تنسحب السياسة بصمت،
ويبدأ فراغها بالتمدّد.
• السياسة لا تموت حين يتعقّد الحكم، بل حين تُسخَّف المسؤولية،
وتُقصى المعايير.
ولا تموت حين يختلف الناس، بل حين يُمنعون من الاختلاف.
ولا تموت حين تفشل الحكومات، بل حين يُمنع السؤال عن الفشل، وحين
تُفرَّغ المساءلة من معناها، ويُميَّع الحساب حتى يفقد أثره.
في السياسة الحيّة يُدار التناقض ويُحتوى؛ أمّا في السياسة الميّتة
فيُسحق التناقض أو يُخفى، فيغدو الصمت لغةً رسمية، والامتثال
فضيلة.
• تموت السياسة حين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، والشعار بديلاً عن
المصلحة العامة، وحين تغدو الدولة دكّاناً للنفوذ، وسوقاً لمتسوّقي
المنفعة.
وحين تموت السياسة، لا تختفي السلطة، بل تنحدر إلى أشكالها البدائية:
بلطجة باسم الأمن، أو أيديولوجيا باسم الحقيقة، أو رمزية فارغة باسم
الكرامة.
وفي كل هذه الحالات، لا يُلغى الصراع، بل يُحرَّر من القيود التي كانت
تمنعه من التحوّل إلى تدمير شامل.
• السياسة وُجدت أصلاً لإدارة منافع الشعوب وتحقيق مصالح الدول،
وُجدت لتأجيل الصدام، وتقليل الخسائر، وإبقاء الخلاف داخل حدود يمكن
احتمالها.
وحين تفشل في ذلك، يعود المجتمع إلى منطقه الأول:
منطق الغلبة، أو الإقصاء، أو الانقسام الحاد، حيث تغيب الحلول
والتسويات، ويُختزل الواقع في صراع صفري.
• الدولة التي بلا سياسة حيّة قد تبدو قويّة، لكنها هشّة.
وقد تبدو متماسكة، لكنها متصلّبة، وقد تبدو موحّدة، لكنها مكبوتة.
والسياسة التي بلا دولة تتحوّل إلى خطابة، أو أخلاق بلا أدوات، أو
احتجاج بلا أفق.
لهذا، لا تُنقَذ السياسة بإطلاق الشعارات، ولا باستدعاء القيم، ولا
بتضخيم الرموز، ولا بتقديس النوايا.
السياسة تُنقَذ فقط حين تُعاد إلى مكانها الطبيعي: كفنّ لإدارة واقع
معقّد، لا كطريق خلاص، ولا كمحكمة قيم، ولا كساحة استعراض.
• السياسة الحيّة لا تعدُ بالفردوس، ولا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا
تتوهّم القدرة على إنهاء التناقض.
هي تقول ببساطة: هذا مجتمعٌ معقّد، ومصالحه متضاربة، وعالمه محكوم
بقوى غير متكافئة؛
فلنُدِر كل ذلك بقيادة كفؤة، وسياسةٍ بضمير، ومنهجٍ قائم على
الحكمة،
وبالربح المعقول الممكن،
وبأقلّ قدرٍ من الخسائر والفشل والعنف،
وأعلى قدرٍ من الذكاء، والحذر، والمسؤولية.
حين تُفهم السياسة هكذا، تعيش؛ وحين يُطلَب منها ما ليس من طبيعتها،
تنوءُ بها الدولة، فتفشل أو تموت.