*سياسة بلا بطولة*
2026/01/20
 
215

حسين العادلي

*في سياسة البطولة، يُصبح التراجع عاراً، والمراجعة ضعفاً، والتسوية خيانة. بهذا المنطق، لا تُمنَع الأخطاء، بل تُكرَّس، لأنّ الاعتراف بها يُهدِّد الصورة البطوليّة.*

• تميل الخطابات السياسية، خصوصاً في لحظات الصراع والضغط، إلى تحويل السياسة إلى مسرح بطولة. تُرفع الشعارات، وتُستحضَر الملاحم، ويُطلَب من الدولة والمجتمع أن يعيشا في حالة تعبئة دائمة. 
غير أنّ البطولة، حين تتحوّل من لحظة استثنائيّة إلى أسلوب حكم، تُصبح عبئاً سياسياً وأخلاقياً في آن.

• السياسة ليست اختبار شجاعة، بل إدارة مستمرّة للتعقيد.
فالقرار السياسي لا يُقاس بحدّته، بل بقدرته على حماية الدولة والمجتمع معاً. أمّا حين يُقاس القرار بمدى "بطوليّته"، فسيُدفَع به إلى أقصى السقوف، لتُغلَق عندها مساحات المناورة، فيُختَزَل التفكير في إثبات الموقف لا في إدارة النتائج.

• أخطر ما في سياسة البطولة أنّها تُربك معنى الصمود.
فالصمود لا يعود قدرة على الاستمرار ضمن الممكن، بل التزاماً دائماً بتحمّل الخسارة باسم الكرامة. وهكذا، تتحوّل الخسارة من حالة تُدار إلى فضيلة تُحتفى، ويُطالَب المجتمع بدفع كلفة مفتوحة بلا أفق سياسي.

• في سياسة البطولة، يُصبح التراجع عاراً، والمراجعة ضعفاً، والتسوية خيانة.
بهذا المنطق، لا تُمنَع الأخطاء، بل تُكرَّس، لأنّ الاعتراف بها يُهدِّد الصورة البطوليّة. والدولة التي لا تُراجع، لا تتعلّم، بل تُراكم أسباب الانهيار تحت غطاء الصمود.

• البطولة السياسية تُريح الخطاب، لكنها تُتعب الدولة.
فالدولة التي تعيش في حالة استنفار رمزي دائم، تُستنزَف إدارياً واقتصادياً واجتماعياً. وتتحوّل السياسة من عمل تراكمي طويل النفس إلى سلسلة مواقف عالية الكلفة، قصيرة الأثر.

• المجتمعات، بدورها، تُرهَق بسياسة البطولة.
فحين يُطلَب منها أن تكون بطلة على الدوام، تُحرَم من الحقّ في السؤال، وفي التعب، وفي الاختلاف. ويُستبدَل النقاش العام بثقافة صمتٍ أو تصفيق، لا بثقافة فهم ومحاسبة.

• سياسة بلا بطولة لا تعني سياسة بلا قيم.
بل تعني ترتيب القيم ضمن الممكن، لا تحويلها إلى شعارات انتحاريّة. فالقيمة التي لا تحمي المجتمع، ولا تُترجَم إلى سياسات قابلة للحياة، تتحوّل من معنى جامع إلى عبء رمزي.

• الدولة الواقعيّة لا تبحث عن لحظة مجد بطلة، بل عن مسار بقاء مجيد.
تعرف متى تُصعِّد، ومتى تُخفِّف، ومتى تُساوِم، ومتى تتوقّف. لا لأنّها أقلّ شجاعة، بل لأنّها أكثر وعياً بأنّ السياسة ليست سباقاً نحو البطولة، بل امتحاناً دائماً للمسؤوليّة.

• في عالمٍ مضطرب، البطولة الحقيقيّة ليست في رفع السقوف، بل في خفض الكلفة.
وليست في إنكار الخسارة، بل في منع تحوّلها إلى قدر دائم.
وليست في الصمود من أجل الصمود، بل في الصمود من أجل أن يكون هناك غد.

• في النهاية، الدولة التي تتخلّى عن وهم البطولة لا تفقد كرامتها، بل تحميها.
فالكرامة السياسيّة لا تُقاس بعدد المعارك، ولا تُحمى بحماسة اليافطات الأيديولوجية، بل بقدرة الدولة على حماية وجودها وشعبها بحكمة، والحفاظ على قرارها ومستقبلها بذكاء، وأن تضمن كسب التحديات بواقعيّة دون أن تُدمِّر نفسها باسم المجد والبطولة.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟