*كيف يُدير المجتمع انهياره بنفسه*
2026/02/17
 
32

حسين العادلي

• كثيراً ما يُدير المجتمع انهياره الداخلي بنفسه، بهدوء، وبمنطق يبدو عقلانياً في ظاهره، بينما هو في جوهره مسارٌ منظم نحو التفكك.

• أحد أخطر مسارات الانهيار يبدأ حين تُشرعن النرجسية اجتماعياً. 
حين تتحوّل الأنا من حالة فردية إلى قيمة جماعية، ويُكافَأ الاستعراض لا الإسهام، ويُحتفى بالظهور لا بالأثر.
عندها لا يعود المجتمع شبكة تضامن، بل ساحة تنافس غرائزي، كلٌّ فيها مركز ذاته، ويرى في الآخر عائقاً لا شريكاً.

• ومع شرعنة النرجسية، تُدمَّر فكرة «النحن».
تتآكل الهوية الجماعية، وتُستبدل بروابط هشّة تقوم على المصلحة الآنية لا المصير المشترك.
وحين تغيب «النحن»، يغيب الاستعداد للتضحية، وتضعف القدرة على العمل الجماعي، ويتلاشى معنى الصالح العام.

• في هذا الفراغ، يُستدعى الماضي ليحكم الحاضر، لا بوصفه خبرة تُستثمر، بل مرجعية لا تُناقَش.
يُعاد إنتاجه كهُوية مغلقة، وذريعة لرفض التغيير، وحائط صدّ أمام كل سؤال جديد.
فيتحوّل التاريخ من مصدر تعلّم إلى أداة تعطيل، ومن ذاكرة حيّة إلى قيد ثقيل.

• ثم تتكفّل الثقافة السلبية بتثبيت المسار. ثقافة تسخر من المبادرة، وتشكّك في كل محاولة إصلاح، وتساوي بين المثال والواقعية.
تُقنع المجتمع أن لا شيء يستحق الجهد، وأن «الأمور لن تتغيّر»، فتحول العجز إلى قناعة، واليأس إلى حكمة مزعومة.
ومع هذا المناخ، تتآكل الثقة العامة: الثقة بين الأفراد، والثقة في المؤسسات، والثقة في عدالة النظام.
وحين تُفقد الثقة، تتفكك الروابط غير المرئية التي يقوم عليها أي مجتمع سليم.

• وفي اللحظة ذاتها، تُستدعى ولاءات ما قبل الدولة لتُحكَّم في بنية المجتمع وقيادة الدولة.
تعلو العصبيات على المواطنة، وتتقدّم الانتماءات الفرعية على الهوية الجامعة،. وتُختزل المسؤولية العامة في مصالح فئوية وشخصية.
وحين يصبح المعيار هو المنفعة الخاصة، تُستباح الدولة باسم القرب، ويُعاد تعريف الصالح العام بوصفه غنيمة.
في هذا السياق، يُشرعن التحايل على القانون، لا بوصفه احتجاجاً واعياً، بل بوصفه «شطارة».
يُكافأ من يلتفّ على القاعدة، ويُلام من يلتزم بها.
وهكذا يُفكَّك النظام من الداخل، ويسود التطبيع مع الخرق اليومي للمعايير.

• ومع تغليب الغريزة على العقلانية، تُدار الشؤون العامة بالانفعال لا بالحساب، وبردّ الفعل لا بالتخطيط، وبالإشباع الآني لا بالرؤية.
وحين تُقصى العقلانية، تُقصى معها المسؤولية، ويُدار المجتمع بمنطق اللحظة لا بمنطق البناء.

• ومع الوقت، يتحوّل هذا السلوك إلى هوية: النرجسية قيمة، والأنانية ذكاء، والجهل بساطة، والفوضى حرية.
وحين تُقلب القيم بهذا الشكل، يصبح الخراب نتيجة منطقية لا مؤامرة.

• يبدأ الانهيار من الداخل، ويكتمل من الداخل.
يبدأ حين يرفض المجتمع امتلاك شروط بناء مستقبله، ويتمرّد على مقتضيات التضامن، ومتطلبات النهضة، واستحقاقات التقدّم. 
وحين يهرب من الهمّة، ويتخلّى عن المثابرة، ويتنصّل من المسؤولية.
وينتهي حين يقف المجتمع ذاته أمام المرآة باحثاً عن سبب انهياره، بينما كان السبب -طوال الوقت-يتشكّل منه، وبخياراته، وفي داخله!
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟