*تآكل السياسة بانهيار الساسة*
2026/02/16
 
222

حسين العادلي

*إذا انهار السياسي كقدوة، تآكلت السياسة كرسالة، وتصدّعت الثقة، وتضرّرت سمعة القيادة، وفقد الحكم صلاحيته المعنوية.*

• السياسة لا تقوم بالأيديولوجية ولا بالنظام وحدهما، بل تقوم بالنماذج البشرية القائدة.
القانون ينظّم، لكن القدوة تُوجِّه. والنصوص تضبط السلوك، لكن المثال يحدّد السقف الأخلاقي.
وحين ينهار الساسة كقدوة ومثال، لا تسقط الدولة فوراً، لكن السياسة تبدأ بفقدان معناها، وتضعف قدرتها على التوجيه وصناعة الامتثال الواعي.

• القدوة في السياسة ليست زينةً أخلاقية، بل رأس مال الحكم المعنوي.
وجود قائد يُعرَف بعصاميته ونزاهته، ويُحترم لاتساقه مع القيم والقوانين، ويُوثق لاستقلال إرادته وقراره، يمنح النظام حصانة لا توفرها القوانين وحدها.
فالناس قد تلتزم بالنظام خوفاً، لكنها تدافع عنه احتراماً وثقةً.

• العصامية هنا ليست قصة نجاح فردي، ولا حكاية صعود اجتماعي تُروى في السِّير الذاتية.
العصامية السياسية تعني استقلالاً في الإرادة، وحريةً من الارتهان، وعدم خضوع للابتزاز السياسي أو المالي أو العائلي.
هي قدرة القائد على أن يقول "لا" حين يجب أن تُقال، وأن يتحمّل كلفة القرار دون أن يختبئ خلف دروع التبرير،
أو يتوارى وراء توازنات مصالحية ضيقة.
وحين تغيب هذه الصفات، تتحوّل القيادة إلى إدارة موقع، لا إلى صناعة واقع.
ويصبح القرار تسوية مصالح مستمرة، لا رؤيةً ومساراً وهدفاً.

• أثر القدوة الإيجابي لا يتوقف عند شخص القائد، بل يمتد إلى المؤسسة.
حين تكون القمة عصامية ونزيهة وحازمة، تتعلم الأجهزة منها المعايير. وحين ترى الاتساق في الأعلى، تُحاكيه في الأدنى.
القدوة تصنع بيئة. والبيئة تصنع أداءً. والأداء يصنع ثقة.

• لكن غياب القدوة يُدمّر السياسة بطريقتين:
الأولى: يُضعف ثقة المجتمع.
فحين لا يرى المواطن نموذجاً يستحق الاحترام، يتراجع استعداده للدفاع عن النظام، أو التضحية من أجله، أو الإيمان بشرعيته الأخلاقية، فينكفئ وينسحب.
والانسحاب المجتمعي أخطر من المعارضة،  لأن المعارضة تُبقي السياسة حيّة، أما اللامبالاة فتُفرغها، وتقود إلى عدميّة مدمّرة لكل معنى.
الثانية: يُفسد الداخل المؤسسي. فما يُمارس في القمة يُقلَّد في القاعدة.
إذا كانت القيادة تُبرّر، فالموظف يُخفي. وإذا كانت القيادة تُراوغ، فالمؤسسة تتحايل. وإذا كان الولاء يُقدَّم على الكفاءة، تتراجع الجودة ويُكافأ الصمت.

• انهيار القدوة لا يُنتج الفساد فقط، بل يُنتج التطبيع معه.
حين يرى المجتمع أن القمة لا تُحاسَب، وأن الامتياز يسبق الاستحقاق، يتحوّل الانحراف من استثناء إلى قاعدة.
الناس لا تقلّد الخطب، بل تقلّد السلوك.

• ومع الوقت يتغيّر تعريف النجاح السياسي.
لم يعد النجاح خدمة الصالح العام، بل البقاء في المنصب.
لم يعد معيار القيمة النزاهة، بل القدرة على الالتفاف.
لم تعد القيادة تكليفاً، بل فرصة للامتياز.
وهنا تبدأ السياسة بالتآكل من الداخل، وتفقد رصيدها المعنوي تدريجياً.

• سمعة القيادة ليست مسألة علاقات عامة، بل شرط لصلاح الحكم.
الصورة تُصنع بالدعاية، لكن السمعة تُبنى بالالتزام.
والقرار -مهما كان صائباً- يفقد وزنه إذا فقد مصدره احترامه.
حين تتصدّع سمعة القيادة، تتحوّل السياسة إلى إدارة شكلية: مؤسسات قائمة، وإجراءات مستمرة، لكن بلا هيبة معنوية.

• السياسة تحتاج إلى بشر غير معصومين، لكنها تحتاج إلى ساسة يمكن الدفاع عن نزاهتهم دون حرج.
القدوة لا تعني الكمال، بل الاتساق مع الفضائل والقوانين. ولا تعني العصمة، بل تحمّل المسؤولية.
فإذا انهار السياسي كقدوة، تآكلت السياسة كرسالة، وتصدّعت الثقة، وتضرّرت سمعة القيادة، وفقد الحكم صلاحيته المعنوية، حتى لو بقي قائماً مؤسسياً.

• السياسة قد تخطئ وتُصحّح، وقد تفشل وتستدرك، وقد تعجز ثم تنهض. لكنها لا تحتمل انهيار الثقة بها.
فالثقة هي الروح غير المرئية للقيادة، إذا فُقدت، بقي الجسد قائماً، لكن الحياة غادرته.
وحين تتآكل الثقة، يسقط الساسة من مقام القدوة، ويتحوّل الامتثال إلى شكل بلا اقتناع. هنا، لا تنهار الدولة فوراً، لكنها تفقد قدرتها على الإقناع، ثم على الحفاظ على ولائها الأخلاقي، ثم على الاستمرار بمعناها.
وهكذا تتآكل السياسة، لا بفقدان الخطاب والمؤسسات، بل بفقدان القدوة.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟