*الرَّداءة السياسيّة*
2026/02/09
 
51

حسين العادلي

*الرداءة السياسية أخطر من الفشل. الفشل قد يوقظ، أمّا الرداءة فتُخدّر. تجعل التراجع بطيئاً، والانهيار قابلاً للتكيّف، والخسارة مألوفة.*

• لا تُختزل الرداءة السياسيّة -كناتج لأيّ حياة سياسية- بنقص الذكاء، أو عجز المهارة، أو تواضع التجربة، فالأخطر هو تلك الرداءة الناتجة عن وعي كامل بممارسة السياسة بلا معنى، وبلا رؤية، وبلا توتّر أخلاقي تجاه الفعل العام. فأشدّ أشكال الرداءة السياسيّة ليست ما يُرتكَب جهلاً، بل ما يُمارَس عن إدراك، حين تُدار السياسة من دون ضوابط، ومن دون أخلاقيّات، ومن دون إحساس بالمسؤوليّة تجاه المجتمع والحُكم والدولة.

• الرداءة السياسيّة، في جوهرها، نمطُ سياسة تُفرَّغ فيه الفعل السياسي من غايته، وتُفصل فيه السلطة عن معناها. تُدار الدولة بلا سؤالٍ عن الأثر، ويُتَّخذ القرار بلا حسابٍ للكلفة، ويُمارَس الحُكم وكأنّ الزمن بلا ذاكرة، والتجربة بلا دروس.

• في مناخ الرداءة، لا تُبنى السياسات على فلسفة، بل على تكيّف دائم مع اللحظة، ولا تعتمد أي أفق، بل إدارة يومية لإطفاء الأزمات وترحيل الاستحقاقات. 
وهكذا تتحوّل السياسة من فعل بنّاء إلى ممارسة استهلاك، ومن مسؤوليّة تاريخيّة إلى تقنية بقاء.

• طبيعة الرداءة السياسيّة تراكميّة لا انفجاريّة. لا تبدأ بقرار كارثيّ واحد، بل بسلسلة خيارات "معقولة" و"واقعيّة" و"أقلّ كلفة سياسياً". 
تنازل هنا، واستثناء هناك، وتبرير مؤقّت،.. حتى يصبح الاستثناء قاعدة، ويتحوّل التراجع إلى نهج، والانكماش إلى عقل حكم.

• الرداءة السياسيّة تكره المعايير، لأنّ المعيار يكشف، والقاعدة تُحاسِب. لذلك تُفضّل الغموض، والمرونة المنفلتة، واللغة المطّاطة. يُعاد توصيف الفشل بوصفه "مرحلة"، والعجز "حكمة"، والتأجيل "توازُنًا". وهكذا يُدار الانهيار بلغةٍ مطمئنة، فيما تتآكل الدولة بصمت.

• في بُعدها الأخلاقي، تقوم الرداءة السياسيّة على تعطيل الإحساس بالذنب العام. لا يقلق المتصدي أثر قراره البعيد، ولا تطارده كلفة سياساته على المجتمع، ولا يشعر بثقل السلطة كأمانة. تُفصل الأخلاق عن السياسة باسم الواقعيّة، ويُجرَّد الحُكم من أي التزام قيمي، فيغدو الضرر مقبولاً ما دام موزّعاً، والخطأ محتملاً ما دام بلا محاسبة.

• أمّا في بعدها النفسي، فالرداءة السياسيّة تُدار بعقل دفاعيّ قَلِق. عقل يخشى الاعتراف، ويهاب المراجعة، ويُعادي النقد. كل سؤال يُعدّ كشفاً، وكل تحذير يُفسَّر خصومة. لذلك يُستبدل التصحيح بالتبرير، والمواجهة بالإنكار، والشجاعة بالحيلة. السياسة هنا لا تُدار بعقل واثق، بل بذهن منشغل بحماية وجوده أكثر من حماية الدولة.

• في هذا السياق، يتبدّل معيار النجاح. لا يُكافَأ من يُصيب، بل من يُنجّي. ولا يُحاسَب من يُخطئ، بل من يُحرج. تُقدَّم الطاعة على الكفاءة، والتكيّف على الجرأة، والهدوء الشكلي على الفعل المؤثّر. وهكذا تُدار المواقع كغنائم، لا كمسؤوليّات.

• أثر الرداءة السياسيّة على الدولة مُدمِّر وإن بدا بطيئاً. تُنهَك المؤسّسات لأنها تُدار بلا هدف، وتتشوّه الإدارة لأنها تُستخدم لتسكين الأزمات لا لحلّها. ومع الوقت، تصبح الدولة عاجزة عن الفعل، حتى وإن ظلّت قائمة شكلياً.

• والرداءة تُفسد السياسة نفسها بوصفها فعلاً عاماً. تُحوّلها إلى حرفة، وإلى لغة، وإلى مسرح صور. تُقصي منها المعنى والمسؤوليّة، وتُقنع المجتمع بأن هذا هو الممكن الوحيد. فينخفض سقف الطموح، ويُعتاد الرديء، ويُستبدل الحلم بالتكيّف.

• الرداءة السياسية أخطر من الفشل. الفشل قد يوقظ، أمّا الرداءة فتُخدّر. تجعل التراجع بطيئاً، والانهيار قابلاً للتكيّف، والخسارة مألوفة. لا تُواجَه لأنها لا تصرخ، ولا تُسقَط لأنها لا تستفزّ، بل تستمرّ لأنها مريحة لأصحابها، ومُنهِكة لغيرهم.

• أخبث أشكال الفعل السياسي المؤدّي إلى انهيار الدولة، أن تُدار طويلاً بسياسة بلا معنى، وبلا التزام، وبلا جديّة.
أن تُصبح الرداءة السياسيّة هي القاعدة لا الاستثناء، والطبيعة لا العارض، والمقياس الذي يُقاس به الفعل السياسي في أيّ بلد.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟