
2026/02/07

121
حسين العادلي
*الخروج من "السياسة النّاعوريّة" لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بكسر
منطق الدوران نفسه.*
• حين تُفرَّغ السياسة من معناها، وتنفصل عن غاياتها العامة، وتتحوّل
من أداة بناء إلى مجرّد آلية بقاء، لا نكون أمام سوء إدارةٍ عابر، بل
أمام نمط آخر من السياسة، هي "السياسة النّاعوريّة".
• السياسة النّاعوريّة لا تتوقّف، لكنها لا تتقدّم.
تتحرّك باستمرار، دون أن تُراكم خبرة أو تُنتج تحوّلاً. في هذا النمط
من السياسة، لا يُفهم الحكم بوصفه مساراً، بل حركة. ولا يُنظر إلى
الفشل كخلل، بل كمادّة تشغيل. ولا يُعامَل الزمن كفرصة، بل كمساحة
استهلاك.
• السياسة النّاعوريّة تُجيد إدارة الدوران. لا تبحث عن التقدّم، بل
عن استمرار الحركة. فكما تدور النّاعورة لتبقى قائمة، لا لتصل إلى
مكان، تدور السياسة النّاعوريّة أيضاً حول الأزمات، لا للخروج منها،
بل لإبقائها صالحة للتشغيل.
• في السياسة النّاعوريّة، لا تُفهم الدولة بوصفها بنية مؤسسات تدير
التقدّم،
بل بوصفها مورد تشغيل سياسي لأصحاب النواعير.
فالأزمات ليست خللاً يجب إصلاحه، بل وقوداً يجب الحفاظ عليه، وكلما
طال أمدها، ازدادت قيمتها كعوائد.
• السياسة النّاعوريّة تُعاد فيها المشكلات بأسماء مختلفة.
يُعاد توصيف الفشل، لا معالجته.
تُستبدل المصطلحات، وتبقى الآليات. ويُقدَّم الدوران على أنه "إدارة
واقعية"، بينما هو في الحقيقة هروب منظّم من الحسم.
• في الدولة النّاعوريّة، لا تُحلّ الأزمات، بل تُجزّأ. يُخفَّف
ضغطها، لا منطقها. وتُدار الكلفة، لا الأسباب.
فالخروج النهائي من الأزمة خطر، لأنه يُسقِط وظيفة كاملة من وظائف
السياسة.
هذا النمط يُنتج نخباً لا تعيش إلا داخل الأزمة باعتبارها ريعاً.
نخبٌ خبرتها ليست في البناء، بل في المناورة.
تعرف كيف تُوازن بين القوى، لا كيف تُدير مؤسسات. وتتقن البقاء في
المنتصف، حيث لا انتصار ولا هزيمة.
• المجتمع، في ظل السياسة النّاعوريّة، لا يُخاطَب بوصفه شريكاً، بل
بوصفه حمولة.
يُطلب منه الصبر لا الفهم، والتحمّل لا المشاركة، والتكيّف لا
المساءلة.
ومع الوقت، يتحوّل الاعتياد إلى فضيلة، والتذمّر إلى ضجيج بلا
أثر.
• أخطر ما في السياسة النّاعوريّة أنها تُفرغ الزمن من معناه.
تمرّ السنوات، ويتغيّر أصحاب النواعير، وتبقى النتائج متشابهة. لأنّ
النجاح يُقاس بالاستمرار لا بالإنجاز، وبترحيل الأزمات لا بإزالة
أسبابها.
• الفساد، في هذا السياق، ليس انحرافاً، بل جزء من آلية الدوران.
فهو يوزّع المنافع بما يكفي لمنع التوقّف، ويُبقي الجميع داخل اللعبة،
بلا رغبة حقيقية في كسرها.
وهكذا تتحوّل الدولة إلى ناعورة مصالح، لا منظومة عدالة.
• السياسة النّاعوريّة تُعادي القطيعة، فكل حل جذري يُعدّ تهديداً،
وكل إصلاح حقيقي يُربك التوازنات. لذلك تُفضّل الترقيع، وتخشى الحسم،
لأن الحسم يُنهي الحاجة إلى الدوران.
• الدولة، حين تُدار بهذا المنطق، لا تنهار دفعة واحدة، بل تُستنزَف
ببطء.
تبدو قائمة، لكنها فارغة.
تعمل، لكنها لا تتقدّم.
وتتحوّل من مشروع مستقبل إلى إدارة انتظار.
• السياسة النّاعوريّة تصنع دولةً معلّقة، لا تموت، ولا تحيا، ولا
تسقط، ولا تُصلَح. وهذا أخطر أشكال العطب.
• الخروج من السياسة النّاعوريّة لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بكسر منطق
الدوران نفسه.
بإعادة تعريف النجاح، وبربط السلطة بالناتج، والزمن بالنتيجة،
والسياسة بالمسؤولية.
فالدولة لا تُبنى بالحركة وحدها، بل بالاتجاه.
ومن يدور طويلاً بلا بوصلة، قد يتقن الحركة، لكنه لن يصل أبداً.