*الحُكم بين المسؤوليّة والعادة والمِهنة*
2026/02/08
 
211

حسين العادلي

*حين يقبل المجتمع أن يُدار بمنطق العَلَف لا المنظومة، يصبح شريكاً في تحويل الحُكم إلى عادة، ثم إلى مهنة، ويُسهم في إطالة عمر الرداءة السياسية.*

• الحُكم مسؤوليّة تُؤدّى، لا عادة تُمارَس، ولا مهنة تُحتَرف.
مسؤوليّة ثقيلة، لا يطيقها إلا من أدرك أنّ السلطة عبء أخلاقي قبل أن تكون موقعاً سياسياً. ومَن لا يستطيع أن يحمل الحُكم ويتحمّله بهذا المعنى، لم يكن يوماً أهلاً له.

• الحُكم، أمانة تُقاس بعمق السياسة، وصواب القرار، وقلّة الكلفة، وصلاح الأثر.
وحين يُنزَع الحُكم من هذا المعنى، يبدأ انحرافه: فيغدو ضالّة الطامع، ونزوة المشتهي، ومركب المغمور، وساحةً لتعويض النقص لا لخدمة الدولة.

• يتحوّل الحُكم من مسؤوليّة إلى عادة حين يفقد دهشته وثقله وخطورته.
حين يتعوّد الحاكم على السلطة كما يتعوّد الإنسان على الهواء، فلا يشعر بثقلها، ولا بخطرها، ولا بكلفتها. عندها يتراجع القلق الأخلاقي، وتضعف الحساسية تجاه الخطأ، ويُصبح الاستثناء ممارسةً يومية لا إنذاراً يستدعي التوقّف.

• أخطر مراحل الحُكم هي مرحلة الاعتياد.
فيها لا يُرى الخطأ خللاً، بل تفصيلاً يمكن تجاوزه. ولا تُرى الأزمة تحذيراً، بل ضجيجاً عابراً.
وتتحوّل السلطة من مسؤوليّة تتطلّب يقظة، إلى روتين يُدار بأقل قدر من التفكير، وأكثر قدر من التبرير.

• وحين تستمرّ العادة طويلاً، تتحوّل إلى مهنة.
مهنة لها أدواتها، وشبكاتها، وحساباتها، وتقنياتها في البقاء.
عندها لا يعود الحُكم خدمةً مؤقّتة، بل مساراً مهنياً تُدار فيه الدولة بمنطق الوظيفة السياسية، لا بمنطق الأمانة العامة.

• في الحُكم بوصفه مهنة، يتقدّم البقاء على الصواب.
تُصاغ السياسات لتُطيل العمر السياسي، لا لتُصلح الواقع. ويُدار الزمن كخصم يجب مراوغته، لا كفرصة ينبغي استثمارها. وتُؤجَّل الاستحقاقات لأنّها مُكلفة سياسياً، لا لأنّها ضرورة وطنياً.

• أخطر ما في تحويل الحُكم إلى مهنة هو تبدّل معيار النجاح.
فالنجاح لم يعد يُقاس بحسن إدارة الدولة، أو بتخفيف الأعباء وكسب التحديات،
بل بالنجاة من الأزمات التي تُهدّد بقاء الحاكم في موقعه، حتى لو كان ثمن هذه النجاة استنزاف الدولة نفسها.

• الحُكم كمهنة يكره المراجعة. لأنّ المراجعة تُربك الروتين، وتكشف الأعطال، وتُهدّد الاستقرار الشخصي.
لذلك يُستبدل التصحيح بالتبرير، ويُستبدل الاعتراف بالإنكار، وتُستبدل الشجاعة السياسية بالحيلة.

• وفق مسطرة الحُكم الرشيد، يحتاج الحُكم إلى يقظة دائمة، وتعلّم مستمر، وقدرة على إعادة الحساب.
أمّا حين يُدار بعقل العادة والمهنة، فإنّ الأخطاء لا تُعالَج، بل تُراكَم، وتتحوّل من زلّات إلى أنماط، ومن إخفاقات إلى بنية حكم.

• الفرق بين الحُكم كمسؤوليّة والحُكم كمهنة هو الفرق بين رجل الدولة ومحترف السلطة.
الأول يرى في الحُكم عبوراً ثقيلاً، والثاني يراه إقامةً دائمة.
الأول يسأل: ماذا سأترك؟
والثاني يسأل: كيف أبقى؟

• غير أنّ انحراف الحُكم لا يقع على الحاكم وحده.
فهناك مجتمعٌ يُسهِم في هذا الانحراف، مجتمعٌ لا يعنيه إصلاح البيت ما دام العلف متوفراً، ولا يهمّه شكل الدولة ما دام الحاكم يُرضيه اليوم، ولو أبكاه غداً.
هذا المجتمع لا يطلب حاكماً مسؤولاً، بل حاكماً مُفرِحاً.
لا يسأل عن الأثر، بل عن اللقطة، ولا يُحاسِب على الكلفة، بل يُكافِئ على العطايا.
هكذا مجتمع يريد سياسة تُشبعه الآن، ولو أفرغت الغد من أي أمل.

• مجتمع كهذا لا يُنتج رجال دولة، بل يُنتج محترفي شعبوية. ويُكافئ من يُحسن التوزيع، لا من يُحسن الإدارة.
ويصفّق لمن يُخفّف الألم لحظة، لا لمن يعالج أسبابه.
وحين يقبل المجتمع أن يُدار بمنطق العلف لا المنظومة،
يصبح شريكاً في تحويل الحُكم إلى عادة، ثم إلى مهنة، ويُسهم -بوعي أو بدونه-في إطالة عمر الرداءة السياسية.

• لا تُفسِد الدولةَ أخطاء الحاكم وحدها، بل قبول المجتمع بتحويل الخطأ إلى نمط، والفشل إلى قدر، والمغامرة إلى بطولة.

• الحُكم الذي لا يُقاوِم التحوّل إلى عادة، ولا يحذر الانزلاق إلى مهنة، يفقد معناه قبل أن يفقد شرعيته.
وحين يفقد المعنى، يصبح الحكم مجرّد إدارة بقاء، لا ممارسة مسؤولية.

• لكن الانهيار لا يكتمل بالحاكم وحده.
فالمجتمع الذي يرضى بحكمٍ يفرحه اليوم ويبكيه غداً، ويستبدل السؤال بالتصفيق، والمحاسبة بالعطايا، يفقد حقّه في النقد كما فقد بصيرته في الاختيار.

• في هذه المعادلة، لا يعود الحكم مسؤولية، ولا يعود المجتمع شريكاً واعياً، بل تتحوّل الدولة إلى مساحة تبادل: حاكمٌ يوزّع الوهم، ومجتمعٌ يقبل الكلفة.

• وحين يفقد الحُكم معناه، لا يعود السؤال: مَن يحكم؟
بل السؤال الأشدّ قسوة: لماذا يُحكم أصلاً، ولمن، وبأي ثمن؟
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟