*الدولة بين السيادة والتسوية*
2026/02/01
 
70

حسين العادلي

*الدولة لا تُدار بالكرامة المجرّدة، بل بقدرتها على حماية نفسها ومجتمعها ضمن حدود الواقع، لا خارجه.*

• السؤال ليس: هل نُساوِم أم نتمسّك بالسيادة؟
بل: متى تحمي السيادةُ التسوية، ومتى تتحوّل هي نفسها إلى عبء؟

• ليست السيادة نقيض التسوية كما تُبسّط الأيديولوجيات، وليست التسوية نفياً للسيادة كما يُسوّق الخطاب التعبوي.
العلاقة بينهما أعقد من ثنائية الخيانة والبطولة؛ والخطر الحقيقي أن يتحوّل أحدهما –في لحظة ما– إلى قيدٍ على الآخر.

• السيادة، في معناها السياسي الواقعي، ليست شعاراً أخلاقياً، بل قدرة فعلية على القرار والمناورة والحماية.
وحين تُفهم بوصفها حالة مطلقة، تخرج من كونها أداة بقاء، وتدخل حيّز الوهم السياسي.

• الدولة التي تتعامل مع سيادتها كـ«حق مطلق» في كلّ ظرف، تُغلق على نفسها إمكانات الحركة.
وحين يضيق الهامش، تصبح أيّ تسوية –مهما كانت ضرورية– مُدانة سلفاً، لا لنتائجها، بل لمجرّد مساسها بصورة السيادة المتخيَّلة.
هنا تتحوّل السيادة من مصدر قوّة إلى عبء: عبء على القرار، وعلى الاقتصاد، وعلى الاستقرار، وعلى المجتمع الذي يُطلب منه تحمّل كلفة رمزية وسياسية أعلى من طاقته باسم صمودٍ بلا أفق ولا حماية فعليّة.

• الدولة لا تفقد سيادتها حين تُسوّي، بل حين تفقد قدرتها على اختيار تسوية شروطها.
أمّا الدولة التي ترفض التسوية باسم السيادة، ثم تُدفَع لاحقاً إلى تنازلات غير محسوبة تحت الضغط، فهي لا تحمي سيادتها، بل تُبدّدها على مراحل.

• التسوية تصبح خطِرة فقط حين تُقدَّم بوصفها بديلاً عن السيادة، لا أداةً لحمايتها.
فحين تُفرّغ الدولة قرارها لصالح قوى خارجية، أو تُعيد تعريف مصالحها وفق ميزان مفروض، تتحوّل التسوية من إدارة واقعية للصراع إلى اعترافٍ ضمني بفقدان الاستقلال.

• لكنّ الخطر المقابل لا يقلّ حدّة: الدولة التي تُقدّس السيادة إلى حدّ العمى، وتحوّلها إلى سقفٍ غير قابل للمراجعة، تُجبر نفسها على العيش في صِدام دائم مع الواقع.
وفي عالم التوازنات، الصدام الدائم ليس دليل سيادة، بل علامة عجز عن إدارة الممكن.

• السيادة تُقاس بقدرة الدولة على منع الإملاء، لا بقدرتها على رفض التسويات. فالدولة لا تُدار بالكرامة المجرّدة، بل بقدرتها على حماية نفسها ومجتمعها ضمن حدود الواقع، لا خارجه.

• وفي المقابل، التسوية لا تحمي السيادة تلقائياً. هي تفعل ذلك فقط حين تكون محدودة بسقف واضح، ومرتبطة بهدف استراتيجي، ومسنودة بقدرة داخلية على إعادة التوازن لاحقاً.
من دون ذلك تتحوّل إلى مسار تآكل بطيء، تُفرّغ السيادة من مضمونها تحت عنوان العقلانيّة.

• الفارق الجوهري ليس بين السيادة والتسوية، بل بين السيادة كقدرة والسيادة كصورة، وبين التسوية كأداة إدارة والتسوية كبديل عن القرار.

• الدولة الناضجة لا تُساوم على وجودها، ولا تُقدّس سيادتها إلى حدّ الانتحار السياسي.
هي تعرف أن السيادة التي لا تُدار بمرونة زمنية ولا تُراجع وفق تغيّر الشروط تتحوّل إلى عبء ذاتي، وأنّ التسوية التي لا تُضبط بحدود واضحة تتحوّل إلى تنازل مفتوح.

• في النهاية، السيادة ليست أن تقول «لا» دائماً، ولا التسوية أن تقول «نعم» دائماً.
السيادة الحقيقية أن تملك القدرة على اختيار اللحظة التي تقول فيها «لا» كي تبقى، وتقول فيها «نعم» كي لا تزول.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟