*الدَّولة وحدود الممكن والوهم في السِّياسة*

2026/01/31

182
حسين العادلي
• لا تُدار الدول بين خيارين بسيطين: ما تريد وما ترفض، بل بين حدودِ
الممكن وحدود الوهم.
فالممكنُ هو ما تسمح به موازين القوّة، وحدود القدرة، وإكراهات الزمن،
وشروط التنافس والصراع.
أمّا الوهم فهو ما يُراد رغم استحالة تحقّقه، أو ما يُتخيَّل
استمرارُه رغم تغيّر شروطِه.
• تبدأُ أزمات الدولة حين تُخطئُ في هذا التمييز:
حين ترفع سقوفاً لا تستطيع حمايتَها، أو تُصرُّ على معارك لم تَعد
تملك أدواتِها، أو تُدير الواقعَ بعينِ الماضي لا بعقلِ الحاضر.
عندها لا يصبح الفشلُ مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لتراكمِ الأوهام.
• الممكنُ في السياسة ليس تنازلاً أخلاقياً، بل مساحة فعلٍ
ومناورة.
هو المجالُ الذي تُدار فيه السيادة والتسوية، وتُحدَّد فيه الأولويات،
وتُحمى فيه المصالحُ الجوهرية.
أمّا الوهم فيحوّل السياسةَ إلى شعاراتٍ عاليةِ الكلفة، تُنتج تعبئة
عاطفية مؤقّتة، وانكساراً طويلَ الأمد.
• من أخطرِ الأوهامِ السياسية وهمُ القوّة المتخيَّلة:
حين تتصرّف الدولةُ كما لو أنّ ميزانَ القوّة ثابت لصالحِها، تُفاجَأُ
بالعالم وقد تجاوزَها.
فالقوّةُ التي لا تُراجع تُستهلَك، والقدرةُ التي لا تُدار
تُبدَّد.
• وكذلك وهمُ السيادةِ الشِّعاريّة:
فالسيادةُ التي تُرفع بوصفها شعاراً، ولا تُدارُ بوصفها قدرةً،
تتحوّلُ إلى عبءٍ رمزيّ.
ويُطلَبُ من المجتمعِ حينها أن يدفعَ ثمنَ صورة، لا أن يُحافَظَ على
كيانٍ ووجود.
• ولا يقلُّ خطورةً وهمُ الأيديولوجيا:
حين تُدار الدولةُ بعقيدةٍ جامدةٍ تُغلِقُ بابَ المراجعة، يتحوّلُ
الخطأُ إلى قدر، والفشلُ إلى مؤامرة.
الأيديولوجيا هنا لا تُنتجُ وضوحاً، بل تُعمي عن التحوّلات.
• ومن الأوهامِ أيضاً وهمُ أمجادِ الماضي حين تتلبّسُ الحاضر:
فالتاريخُ الذي لا يُقرأُ نقديّاً يُعادُ تمثيلُه كقيدٍ نفسيّ.
وتُدارُ الدولةُ عندها بذاكرة الانتصارات لا بحساباتِ الواقع،
فتتكرّرُ الأخطاءُ باسمِ الوفاءِ للتاريخ.
• في مقابلِ ذلك، السياسةُ الواقعيّة لا تعني الانحناءَ للعاصفة، بل
معرفةَ اتجاهِ الريح.
هي سياسةٌ تعترفُ بالحدود كي تُوسّعَها، وتُديرُ الخسارةَ كي تحميَ
القدرةَ على العودة، وتُقايضُ حين يكونُ للمقايضة معنى، لا حين
تُصبِحُ عادة.
• الممكنُ يتغيّر، لكن الوهمَ ثابتٌ في عنادِه.
فالدولةُ التي تُراجعُ خياراتِها تتقدّم، والدولةُ التي تُكابرُ
تتآكل.
والفرقُ بين المرونةِ والانكسار ليس في التراجع ذاته، بل في الوعيِ
الذي يُديرُه: هل تُديرُ الواقع أم تهربُ منه؟
• المجتمعُ شريكٌ في رسمِ حدودِ الممكن وحدودِ الوهم:
فحين يُحرَمُ من الفهم يُغذّي الأوهام، وحين يُشرَكُ في الحقيقة
يتحمّلُ الكلفة.
والدولةُ التي تُديرُ مجتمعَها بالشعارات تُحاصَرُ بها حين تتغيّرُ
الظروف.
• في النهاية، لا تُقاسُ قوّةُ الدولة بقدرتِها على تجاهلِ الواقع، بل
بقدرتِها على التعاملِ معه دون أن تفقدَ اتجاهَها.
فسياسةُ الدولة ليست سباقاً نحو المثاليّ، ولا استسلاماً للراهن، بل
ممارسةٌ دائمةٌ للفصلِ بين ما يمكنُ إنجازُه الآن، وما يجبُ تأجيلُه،
وما ينبغي التخلّي عنه كي لا ينهارَ الكلّ.