
2026/01/31

245
حسين العادلي
• تبدأ سياسة المستحيل حين تُدار الدولة لا بما هو ممكن -والسياسة في
جوهرها فنّ إدارة الممكن-
بل بما هو محال ومتعذّر، ومحاولة فرضه على الواقع، ولو رفضه الواقع،
وأعلن استحالة تحقيقه.
هي سياسة تُحوّل الأيديولوجيا إلى حقّ، والقناعة إلى إلزام، والرغبة
إلى مصيرٍ عام!!
• في هذا المنطق، لا يُقاس القرار بكلفته، بل بنقائه المتخيَّل. ولا
تُسأل السياسة عمّا تُنتج، بل عمّا تُعلِن، فالنتائج مؤجَّلة دائماً،
أمّا الخطاب فطهوريّ نقيّ وفوريّ، وأمّا القادة فهم على صواب
دوماً!!
• المستحيل في السياسة، ليس ما لا يمكن تخيّله، بل ما لا يمكن تحقيقه
دون كسر موازين القوى، أو استنزاف المجتمع، أو تفكيك الدولة من
الداخل.
ومع ذلك، يُطالَب به كما لو أنّ الواقع فراغ، أو أنه مجرّد عقبة يجب
تجاوزها بالمبادرة أو بالتعنت، لا فهمها وإدارتها ضمن شروط
الممكن.
• سياسة المستحيل، تخلط بين القيمة والقدرة، وبين المبدأ والوسيلة،
بين الرمز والقضية، فتتوهم أنّ عدالة الفكرة تكفي لضمان نجاحها، وأنّ
صدق النيّة يعوّض غياب الشروط، وأنّ الذات والموضوع، الشخص والدولة،
لا يفترقان!!
• أخطر ما في هذا النهج، أنّه لا يعترف بالفشل.
فكلّ إخفاق يُعاد تفسيره: مرّة بالخيانة، ومرّة بالمؤامرة، ومرّة
بانحراف المجتمع نفسه.
وهكذا، تتحوّل الدولة من كيان يُدار، إلى ساحة اتهام مفتوحة.
• في سياسة المستحيل لا تُدار الخسائر، بل تُراكَم.
ولا تُؤجَّل المعارك، بل تُفجَّر دفعة واحدة.
وحين يعجز الواقع عن الاحتمال، لا تُراجَع الفكرة، ويتغير النهج،
ويُستبدل القادة، بل يُنكر ويُقمع الواقع.
• بهذا المنطق لا يتم صناعة دولة قوية، بل دولة مأزومة متوتّرة. دولة
تعيش في حالة تعبئة دائمة، وتحتاج إلى عدوٍّ مستمر، لتبرير عجزها عن
الإنجاز.
فمن لا يُحسن إدارة الممكن، يصنع أسطورة المستحيل ليغطّي عجزه.
• كثير من الكوارث السياسية لم تبدأ بنيّات شريرة، بل بأفكار «عادلة»
طُبِّقت خارج الزمن، وبلا حساب للكلفة، وبتعالٍ على الواقع.
فالمستحيل حين يُفرَض، لا يُنتج بطولة، بل خراباً مؤجَّلاً.
• الدولة التي تُدار بسياسة المستحيل لا تنهار دفعة واحدة، بل
تآكليّاً: حين تفقد تدريجياً قدرتها على إدراك الواقع، ثمّ على
التكيّف معه، ثمّ على التراجع وتصحيح المسار.
وحين تبلغ لحظة الحقيقة، لا تجد أمامها إلّا القمع، أو الانفجار، أو
السقوط.
• سياسة المستحيل لا تُحبّ الدولة، بل تستخدمها. ولا تحمي المجتمع، بل
تجعله وقوداً لصلابتها المتوهَّمة.
وما يُسمّى «صموداً» ليس دائماً فضيلة، بل قد يكون عجزاً ذاتياً عن
الاعتراف بالخطأ، وعن امتلاك شجاعة التراجع، أو خوفاً من فقدان نفوذ
حملة المشروع إن تخلّوا عن أوهامه.
• في عالمٍ متصارع، تنافسي، وشرس، تكون أخطر السياسات تلك المتصلّبة
أيديولوجياً، وتلك القافزة بالقرار والنهج والإدارة من فضاء الممكن
إلى فراغ المستحيل.
فهذه السياسات لا تُجمِّد نفسها فقط، بل تُجمِّدُ مجتمعها، وتحرق
دولتَها، ثمّ تُطالب الجميع بتمجيد الرماد!