2026/02/01
57 الشيخ ولد السالك
في شرقٍ أوسطَ مثقلٍ بالانفعالات، تُرفع فيه الرايات قبل أن تُبنى المؤسسات، وتُخاض المعارك قبل أن تُصاغ الأسئلة الكبرى، اختارت بعض الدول أن تسلك طريقًا مختلفًا؛ طريق الدولة الممكنة لا الدولة الحالمة. دولةٌ تُدير الواقع دون أن تُخاصمه، وتُراكم الاستقرار بدل أن تُراهن على الفوضى.
لم يكن هذا الخيار مريحًا ولا شعبويّا، ولم يمرّ دون كلفةٍ سياسية. فقد وجدت دولة الإمارات نفسها، خلال العقد الأخير، في قلب خلافاتٍ إقليمية مع أطرافٍ قريبة وبعيدة، بعضها داخل دوائر التحالف التقليدي، وبعضها الآخر مع قوى وتنظيمات عابرة للحدود.
غير أنّ قراءة هذه الخلافات بوصفها انقلاباتٍ في المواقف أو تناقضاتٍ في المبادئ تظل قراءةً قاصرة؛ إذ إن ما يحكم سلوك هذه الدولة ليس منطق الاصطفاف اللحظي، بل رؤيةٌ متماسكة وبعيدة المدى للمعادلة السياسية، وأثرها في إقليمٍ يعاني من ضياع المرجعيات التاريخية العميقة.
تبدو دولة الإمارات العربية المتحدة، في علاقتها مع المملكة العربية السعودية، شريكًا إستراتيجيًا لا يمكن النظر إلى دوره من زاوية التطابق الكامل. فالتحالف السياسي لا يعني التماهي، بل إدارة الاختلاف داخل الخندق الواحد.
في ملف اليمن، برز هذا التباين بوضوح. فبينما رأت السعودية المعركة من زاوية الأمن القومي، وحماية الحدود، ومنع تشكّل تهديدٍ دائم على خاصرتها الجنوبية، نظرت الإمارات إلى المشهد اليمني بعينٍ أكثر تركيبًا؛ تُدرك أن الخطر لا يكمن في الخصم ذاته بقدر ما يكمن في انهيار الدولة نفسها، وفي تحوّل البلاد إلى فضاءٍ مفتوح للميليشيات تسوده الفوضى المزمنة.
ولذلك استثمرت الإمارات في حليفٍ يمنيّ على الأرض، له مطالب تاريخية عادلة، منحته الفرصة لتشكيل قوةٍ عسكرية منسجمة، استطاعت أن تنال ثقة الجميع من خلال دورها في تحرير المحافظات الجنوبية من عصابات الحوثي، كما نجحت في دعم تشكيل جسمٍ سياسي فاعل للدفاع عن مطالب الجنوبيين التاريخية، هو المجلس الانتقالي الجنوبي.
وبناءً عليه، لم تكن المقاربة الإماراتية انسحابًا من المسؤولية، ولا تنصّلًا من التحالف، بل محاولة لإعادة تعريف الهدف: هل هو مجرد انتصارٍ عسكري، أم بناء حدٍّ أدنى من الاستقرار يمنع اليمن من السقوط النهائي؟ هذا السؤال، وإن بدا باردًا أمام حرارة الدم، هو في جوهره سؤال الدولة الراشدة، التي تدرك أن الحروب التي لا تُحسم سياسيًا تتحول إلى نزيفٍ مفتوح يستهلك الجميع بلا استثناء.
يتكرر المنطق ذاته في تعامل الإمارات مع الأزمة السودانية. فبلدٌ مثقل بتاريخٍ طويل من الانقلابات العسكرية والانقسامات الاجتماعية لا يحتمل مقارباتٍ رومانسية تختزل الصراع في ثنائية الخير والشر. الرهان الإماراتي هنا لم يكن على الشعارات ولا على النيات، بل على منع الانهيار الكامل للدولة، وتقليص فرص تحوّل السودان إلى دولةٍ فاشلة جديدة في الجغرافيا العربية.
هذا الموقف، الذي أثار جدلًا واسعًا، يعكس قناعةً راسخة مفادها أن الفوضى، مهما تدثرت بشعاراتٍ نبيلة، تظل عدوًا مطلقًا لفكرة الدولة، وأن كلفة انهيار الدول تفوق بكثير كلفة التسويات الصعبة. والحقيقة أن الإمارات لم تنحز لفريقٍ بعينه، ولم تفتأ تشجب كل اعتداءٍ على حقوق الإنسان، مهما كان الطرف المتسبب فيه، داعيةً إلى حلولٍ سياسية توافقية، وإلى إعادة بناء الدولة السودانية على أسسٍ مدنية صلبة.
في مجمل ساحات الصراع والتوتر على الصعيد الإقليمي تقوم رؤية دولة الإمارات للسلام على مقاربةٍ واقعية ترى أن الاستقرار لا يتحقق بإدامة الصراع أو القطيعة بل بالحوار والدبلوماسية وبناء المصالح المشتركة
في مجمل ساحات الصراع والتوتر على الصعيد الإقليمي، تقوم رؤية دولة الإمارات للسلام على مقاربةٍ واقعية ترى أن الاستقرار لا يتحقق بإدامة الصراع أو القطيعة، بل بالحوار والدبلوماسية وبناء المصالح المشتركة. فالسلام، في هذا التصور، شراكةٌ فاعلة تفتح آفاق التنمية وتحمي الشعوب من كلفة النزاعات.
وانطلاقًا من هذه الرؤية انضمت الإمارات إلى الاتفاقيات الإبراهيمية بهدف إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم التي طبعت الصراع العربي – الإسرائيلي لعقود، وبناءً على إدراكٍ دقيق بعدم قدرة العرب على حسم الصراع عسكريًا، سعت إلى الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الحلول السياسية الواقعية، التي تخفف التصعيد وتوفر أدوات تأثيرٍ جديدة.
وقد بُني هذا التوجه على مبادئ ثابتة، تشمل تغليب الدبلوماسية على الصدام، وترسيخ قيم التسامح والتعايش، واحترام سيادة الدول، ونبذ التطرف والعنف، واعتبار السلام والتنمية ركيزتين أساسيتين لأمن المنطقة واستقرارها، مع التشبث بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وتسخير القوة الدبلوماسية الإماراتية للدفاع عن هذه الحقوق، وفي مقدمتها قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
غير أن أكثر ملفات السياسة الإماراتية إثارةً للجدل يبقى موقفها الحاسم من جماعة الإخوان المسلمين. فهنا لا نتحدث عن خلافٍ سياسي عابر، بل عن صراعٍ بين تصورين للشرعية والسلطة. لقد أدركت الإمارات، منذ وقتٍ مبكر، أن التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود لا تتعايش مع الدولة الوطنية الحديثة، لأنها تقوم على ولاءٍ مزدوج، وتستمد شرعيتها من الجماعة لا من القانون، ومن التنظيم لا من العقد الاجتماعي.
لم ترَ الإمارات في الإخوان حركةً سياسية قابلة للإدماج، بل مشروعًا موازيًا للدولة، ينازعها المجال العام، ويُفرغ المؤسسات من مضمونها. ولم يكن هذا الموقف عداءً للدين، كما يُروَّج أحيانًا، بل دفاعًا عن الدولة بوصفها الإطار الجامع الوحيد القادر على حماية التعدد، وضمان الاستقرار، ومنع احتكار الحقيقة باسم العقيدة المقدسة التي يؤمن بها الجميع.
لم تكن المقاربة الإماراتية انسحابًا من المسؤولية ولا تنصّلًا من التحالف بل إعادة تعريف للهدف: هل هو مجرد انتصارٍ عسكري أم بناء حدٍّ أدنى من الاستقرار يمنع اليمن من السقوط النهائي؟
راهنت الإمارات على نموذجٍ مغاير في الحكم والتنمية، يقوم على البراغماتية الأخلاقية: لا ادّعاء للمثالية، ولا تخلٍّ عن القيم. فالدولة، في هذا التصور، ليست خطيبًا مفوّهًا، بل مهندس صبور؛ تبني الاقتصاد كما تبني التعليم، وتطوّر الإدارة كما تحارب الغلوّ والتطرف، وتتعامل مع العالم بلغة المصالح المتبادلة لا بلغة العداء الأيديولوجي.
لقد اختارت الإمارات أن تجعل الاستقرار شرطًا للحرية، لا نقيضًا لها، وأن تعتبر التنمية الحقيقية فعلًا تراكميًا لا حدثًا ثوريًا عابرًا. ومن هنا، لم يكن انفتاحها على التكنولوجيا، واستثمارها في الذكاء الاصطناعي، وتقديمها خطابًا دينيًا متصالحًا مع العصر، مجرد ترفٍ حداثي، بل جزءًا من رؤيةٍ شاملة ترى أن مستقبل الدول يُصنع بالعقل المؤسسي، لا بالحشود الغاضبة.
السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كانت الإمارات على حقٍّ في كل خياراتها، فذلك تحجيرٌ على حرية دولةٍ راشدة تعرف أين وكيف تضع قدمها، بل ما إذا كان خطها السياسي والفكري قابلًا للاستمرار والنجاح في إقليمٍ مضطرب. وتشير المؤشرات إلى أن الرهان على الدولة، مهما بدا بطيئًا ومكلفًا، يظل أقل كلفةً من الرهان على الفوضى، وأن البناء الصامت، مهما بدا أقل جاذبيةً إعلاميًا، أكثر رسوخًا من الانفجارات الكبرى التي لا تترك خلفها سوى الركام.
لا تدّعي الإمارات أنها دولةٌ عظمى، ولا تقدّم نفسها نموذجًا مثاليًا قابلًا للاستنساخ الحرفي، لكنها تقدّم تجربةً جادّة في زمن الهشاشة؛ تجربة تقول، بوضوح، إن الفرق لا يصنعه المال وحده، ولا الحجم الجغرافي، بل وضوح الرؤية، وانضباط القرار، والقدرة على تحويل الممكن إلى واقع. وفي إقليمٍ أنهكته الأحلام المؤجّلة، قد يكون هذا، في حدّ ذاته، إنجازًا يستحق التنويه والتقدير.