*كيف تنهار السياسة دون أن تموت*

2026/02/22

32
حسين العادلي
*وُجدت السياسة لتدير الممكن بما يحقق الخير العام، لا لتدير النزوات
وعُقد النقص وشبق النفوذ.*
• لا تنهار السياسة حين تفقد القوة، بل حين تفقد المعنى.
قد تبقى المؤسسات قائمة، والانتخابات مستمرة، والخطابات متدفقة، لكن
الرسالة تتآكل بصمت.
السياسة تموت معنوياً قبل أن تموت شكلياً.
• وُجدت السياسة لتدير الممكن بما يحقق الخير العام، لا لتدير النزوات
وعُقد النقص وشبق النفوذ. وُلدت لتنظيم المصالح، لا لتزييف الوعي.
لكنها تنحرف حين تتحول من بحثٍ عن الصالح العام إلى إدارةٍ متقنة
للبقاء.
عندها لا تختفي السياسة، بل تتبدّل وظيفتها.
• أول ما يتآكل هو الصدق.
ليس الصدق الأخلاقي فحسب، بل الصدق الإجرائي: أن يُقاس الوعد
بالنتيجة، وأن يُحاسَب القرار بأثره.
وحين يصبح الوعد أداة تعبئة لا معيار مساءلة، تتحول الكلمات إلى
واجهات، ويغيب التطابق بين القول والفعل.
• ثم يتسلل التبرير.
لا يُناقَش القرار من حيث صوابه، بل من حيث أيديولوجيته ونيته.
لا يُسأل: هل كان هذا الخيار أفضل؟ بل يُقال: الظروف كانت قاهرة.
هنا تتحول السياسة من إدارة خيارات إلى إدارة أعذار.
• بعد ذلك يبدأ أخطر التحوّلات: خلط المفاهيم.
حيي تُدمج الدولة بالنظام، وتُختزل المصلحة العامة في مصلحة السلطة،
ويُعاد تعريف النقد كتهديد.
المعارضة تصبح خيانة، والمساءلة مؤامرة، والشفافية إرباكاً
للاستقرار.
هنا لا تقمع السياسة بالقوة فقط، بل تعاد هندستها لغوياً.
• ومع الزمن تتحول الأخلاق إلى ديكور.
تُرفع شعارات العدالة والكفاءة والشفافية، لكنها لا تعمل كمعايير
قرار.
القيم تُستدعى للعرض، لا للاحتكام.
السياسة تصبح مسرحاً تُقال فيه المبادئ أمام الجمهور، ويُدار القرار
خلف الستار.
• ثم يُستبدل معيار الكفاءة بمعيار الولاء.
يُكافأ الامتثال لا الإنجاز، والقرب لا القدرة، والصمت لا الرأي.
الدولة لا تُنتج فاسدين بالضرورة، بل تُنتج عاجزين منظمين. والعجز
المؤسسي أخطر من الفساد الفردي، لأنه يُقنّن الضعف.
• آلية أخرى أكثر هدوءاً: تأجيل الاعتراف.
لا يُقال: أخطأنا، بل: الصورة لم تكتمل.
لا يُقال: فشلنا، بل: التحديات أكبر من التقدير.
يُؤجَّل الاعتراف حتى يفقد أثره، وتُنسى الحقيقة حتى تفقد معناها.
• ومع الوقت تتحول السياسة إلى إدارة ذاكرة.
لا يُطلب من الناس أن يقتنعوا، بل أن ينسوا.
تُغمر الوقائع بضجيج جديد، وتُستبدل الأسئلة بقضايا طارئة، ويُستنزف
الانتباه حتى يتعب.
السياسة هنا لا تُصلح الواقع، بل تُدوّر الانتباه بعيداً عنه.
• حين تتراكم هذه الآليات -التبرير، التمويه، خلط المفاهيم، تجميل
الأخلاق، استبدال الكفاءة بالولاء، إدارة النسيان- تفقد السياسة
جوهرها: أن تكون ساحة عقلانية للاختيار بين بدائل تخدم الصالح
العام.
تصبح السلطة هدفاً بذاتها، ويصبح الاستمرار أهم من الصواب، وتصبح
الصورة أهم من الأثر.
• السياسة التي تفقد رسالتها لا تنهار فجأة.
تبقى قائمة شكلياً: مؤسسات، لجان، بيانات، قوانين.
لكن الروح تغادرها.
تبقى الهياكل، ويغيب المعنى.
• الدولة لا تحتاج إلى سياسة مثالية، بل إلى سياسة صادقة ضمن حدود
الممكن.
الخطأ ليس العيب، بل إنكاره.
الاختلاف ليس الخطر، بل تجريمه.
النقد ليس التهديد، بل غيابه.
• حين تُفرَّغ السياسة من معناها، لا تسقط فوراً، بل تتآكل.
وحين يتآكل المعنى، يتقدّم الواقع بخيارات خطيرة: سخرية عامة، تيه
جماعي، انفصال بين الدولة والمجتمع، أو انفجار لا يمكن ضبطه.
السياسة لا تموت حين تُهزم، بل حين تتخلّى عن سبب وجودها.
وحين تفقد الرسالة، ينهار الجسد واقفاً.