
2026/02/21

62
حسين العادلي
*السياسة كفنّ غنيمة لا تُنتج دولة، بل تُنتج إقطاعيات بعدد قوى الأمر
الواقع.*
• ليست كلّ سياسة مشروع دولة. أحياناً تكون السياسة مجرّد حرفة
للّصوصية "الشرعية" باسم الدولة، وهنا تتحوّل من إدارةٍ للشأن العام
إلى فنّ غنيمة.
• كل ما يفعله فنّ الغنيمة في السياسة أنه يعكس الفعل السياسي من
الالتزام إلى الاقتسام، فتتحول الدولة من وديعة عامة إلى غنيمة
خاصة.
• منطق الغنيمة لا يرى الدولة ككيانٍ عامّ مصان وسيادي، بل كملكية
تتوزعها الإقطاعيات الحزبية والنخبوية، وكَرَصيد قابل للتوزيع. ولا
تُفهم السلطة بوصفها تكليفاً بتفويض ووفقاً لقوانين الدولة، بل
باعتبارها مكسباً بحجم ما يتيحه من نفوذ وموارد وحصص.
وهكذا تتحوّل السياسة من إدارة للشأن العام إلى إدارة لاقتسامه.
• فنّ الغنيمة لا يُفصح عن نفسه بطريقة فجّة. يحتاج إلى روايةٍ
للدولة، وإلى خطاب يبرر نظامها السياسي، وإلى مهارة تموضع وتوظيف. هنا
تغدو المحاصصة تمثيلاً، والاقتسام توازناً، وتوزيع النفوذ استقراراً،
فتختلط اللغة بعجمةٍ مقصودة، حتى يُظنّ أن اقتسام الدولة شكلٌ من
أشكال العدالة، بينما هو في حقيقته غنيمة القوى. الوزارات تتحول إلى
حصص، والوظائف إلى مكافآت، والمشاريع إلى أدوات تمكين، والمسؤوليات
إلى وسائل إعادة توزيع النفوذ. ويُدار الفعل السياسي وفق توازنات
الاقتسام لا قواعد الالتزام.
• السياسة كفنّ غنيمة لا تُنتج دولة، بل تُنتج إقطاعيات بعدد قوى
الأمر الواقع، وشبكات مصالح بعدد مراكز النفوذ. لا تبني مؤسسات، بل
تحالفات مؤقتة. لا تعزز الثقة، بل تعمّق الشك.
في هذا السياق، لا تعود الدولة إطاراً جامعاً، بل ساحة اقتسام دائم.
ولا يعود المواطن شريكاً في العقد الاجتماعي، بل متفرجاً على تقسيمه.
يرى الدولة تُدار بمنطق الربح السياسي، فيتعامل معها بالمنطق نفسه:
يأخذ إن استطاع، ويتجاوز إن قدر، ويبحث عن حصته الخاصة في ظل حصص
الكبار. وهكذا تنتقل ثقافة الغنيمة من النخبة إلى المجتمع، وتتحول من
سلوك سياسي إلى نمط عام.
• لكن الدولة ليست غنيمة الساسة، ولا جائزة النخب. الدولة فكرة
انتظامٍ عامّ تمثل الجميع بعدالة وكفاءة، وتُدار بقواعد لا بصفقات.
وحين تُختزل في فنّ الغنيمة، تتآكل من الداخل: تضعف مؤسساتها لأن
الولاء يسبق الكفاءة، وتتراجع عدالتها لأن الانتماء يسبق القانون،
وتفقد قدرتها على التخطيط والإدارة لأن الأفق يقصر بقدر عمر
الحصة.
• الانتقال من فنّ الغنيمة إلى فنّ المسؤولية ليس تغييراً في
اللاعبين، بل في المنطق. أن يُعاد تعريف السياسة بوصفها التزاماً لا
اقتساماً، وأن يُعاد تعريف المنصب كوظيفة لا ملكية، وأن تُفصل الدولة
عن مصالح من يديرونها. فالدولة التي تُدار كغنيمة تُستهلك، والسياسة
التي تُمارَس كحرفة اقتسام تُفرغ نفسها من معناها.
• وإن بقيت السياسة فنّاً للغنيمة، فلن يكون السؤال: من يحكم؟ بل: من
يقتسم أكثر؟
وعندها لا يعود للدولة معنى، سوى أنها أكبر غنيمة معلّقة في ساحة
صراعٍ مستمر.