*الدولة و«عقدة الخلود» لدى السياسي*
2026/02/20
 
41

حسين العادلي

*الدولة لا تموت برحيل سياسي، لكنها تتآكل حين يتحوّل بقاؤه إلى قدر.*

• «عقدة الخلود» لدى الساسة، ليست عارضاً سياسياً، بل أمّ العقد التي تشلّ حركة المجتمع وتغلق مسارات تطور الدولة. إنها الحالة التي يتجمّد فيها الزمن عند شخص، فتُختزل الدولة في عمره، وتُقاس الشرعية بمدّة بقائه. ومن هذه العقدة تتفرع أشكال الاستبداد كافة، لأنها تُحوّل المؤقت إلى دائم، والوظيفة إلى قدر.

• تتظافر النرجسية الشخصية، وميوعة الضوابط القانونية، وهشاشة الحياة الحزبية، وضعف ثقافة التعددية والتداول، وتواضع الوعي المجتمعي، في إنتاج هذه العقدة. فحين تغيب القيود، ويتضخم التصفيق، وتُفرَّغ السياسة من التعدد، ينمو في وعي السياسي شعور خفي بأن بقاءه ليس خياراً، بل ضرورة. ومع كل دورة إضافية، يتآكل الإحساس بالحدود، ويحلّ محلّه شعور بالاستحقاق الدائم.

• الخلود ليس مطلباً معلناً في خطاب الساسة، لكنه غالباً ما يشكّل جوهرهم النفسي والسلوكي في التعاطي مع الدولة. يظهر ذلك في التفنّن في البقاء، وفي التبرير المستمر للتمديد، وفي الإصرار على تحويل المرحلة إلى حالة دائمة. 
لا يقول السياسي إنه يريد أن يخلد، لكنه يتصرف كما لو أن الزمن خطأ يجب تصحيحه، أو أنّ التاريخ يتوقف إن هو غادر.

• عقدة الخلود لا تعني حب السلطة فقط، بل رفض الحدود أيضاً: رفض أن يكون للحضور السياسي سقف، وللدور نهاية، وللمشهد تبدّل. وكل سياسي يعجز عن تخيّل الدولة بدونه، ولا يرى نفسه مسؤولاً داخل نظام بل محوراً يدور حوله وجود الدولة برمّته، هو تجسيد حيّ لهذه العقدة المرضيّة.

• هذه العقدة ليست أخلاقية فحسب، بل بنيوية. إنها تصطدم بمفهوم الدولة ذاته. فالدولة الحديثة تقوم على الاستبدال المتواصل والتغيير المستمر، فالمنصب وظيفة، والشرعية دورية، والسلطة مؤقتة بطبيعتها. أما حين يتحول البقاء إلى حق مكتسب، فإن المؤقت يُعاد تعريفه بوصفه ضرورة، والضرورة تتحول إلى استثناء دائم، والاستثناء يصبح قاعدة.

• عقدة الخلود تُعيد صياغة الزمن السياسي. لا يعود الزمن مساراً مفتوحاً يتقدم عبر تداول وتراكم، بل يصبح مساحة تُدار لتأجيل النهاية. كل انتخابات تُفرغ من معناها، كل انتقال يُعاد تفسيره كخطر، كل بديل يُقدَّم كتهديد. فيتحول الزمن من أداة تجديد إلى أداة تثبيت، ومن فرصة تصحيح إلى وسيلة تحصين.

• الخلود السياسي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بتجفيف منابع التغيير، وبإضعاف الأحزاب وتحويلها إلى دكاكين، وباحتكار مصادر القرار لصناعة البقاء الذاتي، وباقصاء الكفاءات وتشويه المنافسين وإسقاط شرعيتهم أخلاقياً ورمزياً. والأخطر حين تُنشئ السياسة اعتياداً نفسياً لدى الناس على وجوه محددة وسرديات بعينها، فتتآكل قدرتهم على تخيّل غيرهم، ويضيق أفق السياسة حتى داخل وعي المحكوم. هنا يبلغ الوهم ذروته: لا لأن البديل مستحيل، بل لأن الخيال السياسي أُرهق.

• عقدة الخلود تُنتج نوعاً خاصاً من العمى. فالسياسي لا يرى أن طول المكوث يغيّر موقعه من ضرورة مزعومة إلى عبء متراكم. ولا يدرك أن كل بقاء إضافي يرفع كلفة الخروج، ويجعل الانتقال أكثر توتراً. وهكذا، باسم حماية الدولة من الصدمة، تُؤجَّل الصدمة حتى تصبح أعنف.

• الدولة السليمة لا تخاف ممن يُغادر، لأنها لا تختصر نفسها في المغادِر. قوتها في قدرتها على استيعاب التبدّل دون انهيار، وفي فصل الكيان العام عن أسماء شاغليه. أما الدولة التي تخشى رحيل أيّ كان، فهي تعترف ضمنياً بأنها لم تُبنَ كدولة، بل كسلطة على مقاس رجالها.

• الخلود وهم إنساني قديم، لكنه في السياسة يتحول إلى خطر عام. فالأفراد لا يخلدون، لكن آثارهم تبقى. والسؤال ليس كم بقي السياسي في موقعه، بل ماذا ترك وراءه: مؤسسات أم فراغاً؟ تقاليد تداول أم ثقافة انتظار؟ دولةً قادرة على الاستمرار، أم نظاماً يتهاوى عند أول غياب؟

• من أراد أن يخلد في السياسة، فليخلد في البناء لا في البقاء.
الدولة لا تموت برحيل سياسي، لكنها تتآكل حين يتحوّل بقاؤه إلى قدر.
ومن يظن أن رحيله سقوطها، فليدرك أن العطب لم يكن في الدولة، بل في وعيه بها وأخلاقياته تجاهها.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟