*لوثة الضرورة: حين يتوهّم السياسي أنه الدولة*
2026/02/19
 
207

حسين العادلي

*ويبقى السؤال معلقاً في ضمير كل سياسي يتصدّر الشأن العام: إذا كان الوطن ينهار برحيلي، فهل المشكلة في الوطن، أم في الطريقة التي أدرتُه بها؟*

• السياسة إدارة للشأن العام، لا صناعة أصنام. لكنها حين تفسد، تتحول إلى مصنع أوهام، وأخطر أوهامها أن يتوهّم السياسي أنه الدولة. لا جزءاً منها، ولا موظفاً في بنيتها، بل تجسيداً لها. 
هنا يبدأ الانحراف: حين تنتقل الدولة من كونها منظومة قواعد إلى كونها ظلّاً لشخص.

• الحكم نتيجة طبيعية للسياسة. فإذا كانت السياسة ثقافة تمجيد الفرد، خرج الحكم فردانياً. وإذا كانت ترى في الزعيم خلاصاً، خرج متشبثاً بالخلاص الشخصي. لذلك فإن «لوثة الضرورة» لا تبدأ على عتبة القصر، بل في عقل سياسي تعلّم أن يرى نفسه مركزاً لا عنصراً، غايةً لا وسيلة.

• لوثة الضرورة ليست غروراً عابراً، بل مرضاً بنيوياً. أن يقتنع السياسي أن وجوده ليس مرحلة بل شرط بقاء، وأن غيابه ليس تداولاً بل كارثة. عندها لا يعود العمل العام خدمة، بل امتداداً لذاته. ويصبح الخروج من المشهد شبيهاً بالموت الرمزي، لذلك يقاتل ضده كما يُقاتَل الفناء. لا يدافع عن موقع وحسب، بل عن معنى وجوده.

• السياسي المصاب بهذه اللوثة لا يقول صراحة «أنا الدولة»، لكنه يتصرف كما لو أن وجوده شرط وجودها. يربط الاستقرار باسمه، ويُحمِّل الوطن صورته، ويحوّل النقد إلى تهديد، والتداول إلى مغامرة. ولا يحتمل فكرة أنه مرحلة، لأنه لا يرى في الدولة كياناً ومساراً، بل مسرحاً لدوره الخاص. وشيئاً فشيئاً، تتآكل الحدود بين الكيان العام والذات الخاصة، فتصبح السياسة انعكاساً لتقديره الشخصي، وتُعاد صياغة الوطنية وفق مقاساته، ليمرّ الولاء عبره، فيُختزل الخلاف معه إلى خيانة، والمطالبة بالبديل عنه دعوة إلى الفوضى. وهكذا لا تُختطف السياسة فقط، بل يُختطف معها معنى الدولة ككيان أمّة ونطاق شعب.

• المفارقة أن من يظن نفسه ضرورة تاريخية غالباً ما يعيق التاريخ. فالتاريخ حركة تداول وتجدد وتصحيح، أما وهم الضرورة فيسعى إلى تثبيت اللحظة وتجميد المستقبل.
مَن يخاف التغيير باسم الاستقرار يعطل قدرة السياسة على التجدّد، ويشلّ قابلية الدولة على التكيّف. ومَن يحتكر الدولة بدعوى الحماية يضعف مناعة النظام نفسه، ليتحول الحرص المعلن إلى عطبٍ مستدام.

• السياسة التي تنزلق إلى هذه المرحلة لم تعد إدارة خلاف بنّاء، بل هندسة تبعية متحفزة. وتتحول من ساحة صراع أفكار وبرامج إلى مسرح ولاء واستقواء، ومن حوار مصالح عامة إلى طقوس تمجيد وتصفيق تعبوي. 
وهنا، فسياسيّ الضرورة لا يريد مجتمعاً سياسياً حياً، بل رعية مطمئنة إلى أنه لا خيار غيره. لذلك ترى أنّ مجتمعات قادة الضرورة، مجتمعات فاقدة للأهلية. 

• الدولة التي ترتجف عند احتمال غياب سياسي أو قائد ليست دولة، بل سلطة مربوطة بعمر صاحبها. والسياسة التي لا تستطيع إنتاج بدائل ليست سياسة ناضجة، بل بيئة مغلقة تنتظر من يملأها بالقوة أو بالمكر. أما السياسي الذي يتوهّم أنه الدولة، فهو في الحقيقة يعلن إفلاس الدولة التي جاء يخدمها، قبل إفلاسه الأخلاقي والفلسفي.

• الدولة السليمة لا تُبنى على أوهام أفراد، بل على يقين جماعي حيّ ومتجدد. السياسة الناضجة تُخرّج قيادات كما تُغيّرها، وتنتج أجيالاً كما تودّعها. 
أما السياسة المأزومة فتخشى الفراغ، وتتعامل مع التغيير ككارثة، وتفضّل الاستمرار المألوف على التجديد الضروري.

• الدولة بلا أوهام لا تقوم على ضرورة بشرية، بل على نظام مؤسسي قادر على الاستمرار، وعلى قادة أكفاء مؤمنين بالاستبدال. قوتها في أن تغادرها الأسماء وتبقى القواعد، وأن تتغير الوجوه ويستمر المسار. السياسي فيها مرحلة لا قدر، ووظيفة لا ملكيّة، ودور لا وهم.

• ويبقى السؤال معلقاً في ضمير كل سياسي يتصدّر الشأن العام: إذا كان الوطن ينهار برحيلي، فهل المشكلة في الوطن، أم في الطريقة التي أدرتُه بها؟
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟