*حين تصبح السياسة، بقاء السياسي*

2026/02/18

270
حسين العادلي
*"سياسة البقاء" تُوهِم أصحابها أنّهم ضرورة تاريخية، وأنّ غيابهم
فراغ، وأنّ استمرارهم بقاء للدولة.*
• تنحرف السياسة حين يختزلها الساسة في سؤال واحد: كيف نبقى؟
فحين يتحوّل البقاء إلى أولوية للسياسي، يتبدّل جوهر السياسة قبل
أدواتها. فتتحول من ميدان إدارة للشأن العام إلى ميدان إدارة للشأن
الخاص.
هنا، لا يعود سؤال السياسي عن: ماذا نُدير ونحقق؟ بل: كيف نبقى
وننتفع. ولا: أي أثر نترك؟ بل: أي خسارة نتفادى؟
• في تلك اللحظة تُختزل الدولة في أشخاص، وتنكمش السياسة إلى غريزة،
ويغدو الحكم إدارة قلقٍ لا إدارة معنى.
هنا، تغدو السلطة غاية لا وسيلة، والموقع أهم من المشروع، والاستمرار
أهم من الإنجاز، حتى وإن استدعى البقاء، الحيلة والفساد
والاستبداد.
• حين يصبح البقاء سياسة، لا تعود السياسة فعل مسؤولية، بل فعل
تحوّط.
ولا يعود الحكم أمانة، بل امتيازاً يجب حمايته.
تُدار الدولة بعقلية التحصين لا بعقلية البناء، وتُتخذ القرارات
لتأجيل السقوط لا لصناعة الصعود.
• في سياسة البقاء يُعامَل الزمن كخصم.
كل استحقاق عبء، وكل مراجعة تهديد، وكل إصلاح مخاطرة غير محسوبة.
فيُؤجَّل القرار لأنه مكلف، ويُغطّى الخطأ لأن الاعتراف يُربك
الرواية، ويُستهلك الحاضر لشراء مهلةٍ إضافية.
• أخطر ما في سياسة البقاء أنها تُقايض الدولة بالسلطة.
تُنهك المؤسسات لإطالة العمر السياسي، وتُستنزف الموارد لتثبيت
المواقع، ويُرهن المستقبل مقابل نجاة آنية.
هنا لا تُدار الدولة بوصفها كياناً عاماً، بل بوصفها مساحة نفوذٍ
قابلة للتصرف.
• ومع هذا التحوّل تتبدل معايير النجاح.
لا يُكافَأ الملتزم، بل من يحسن اقتناص اللحظة.
ولا يُحاسَب المخطئ، بل من يُخلخل التوازن.
تُستبدل الكفاءة بالولاء، والخبرة بالطاعة، والشجاعة بالحيلة.
• الأخطر أن سياسة البقاء تُنتج وهم الواقعية.
يُعاد تعريف العجز حكمة، والمسايرة عقلانية، والتواطؤ اتزاناً.
ويُخيَّل لأصحابها أنهم ضرورة تاريخية، وأن غيابهم فراغ، وأن
استمرارهم بقاء للدولة.
• غير أن العدوى لا تبقى في القمة. فحين يصبح البقاء القيمة العليا،
يتسرّب منطقه هذا إلى المجتمع، فيُخفَّض سقف المطالب، ويُستبدل الحق
بالمنفعة، ويُقدَّم الاستقرار اللحظي على البناء المؤجَّل.
عندها، يتحوّل المواطن من شريكٍ في المصير إلى متلقٍّ قلقٍ على نصيبه،
يحتمي بالحدّ الأدنى، ويخشى ما يتجاوز يومه.
• وحين يُقنع القادة أنفسهم أن البقاء إنجاز، تنفصل السياسة عن
معناها، وتفقد رسالتها قبل أن تفقد سلطتها.
فالسياسة ليست فنّ نجاة أشخاص، بل فنّ صون شعب.
ليست مهارة حماية نفوذ، بل شجاعة اختيارٍ مدفوع الكلفة.
السياسة ليست تفادي خسارة الذوات، بل تحمّل مسؤولية الشأن العام بروحٍ
ترى أبعد من موقعها.
• وحين تُختزل السياسة في البقاء، تصير المسؤولية ستاراً، والحكمُ
تحصّناً، والشعب ذريعةً.
هنا، لا تبقى سياسة، بل تنازعُ ذواتٍ، فقدت معنى السياسة، ومعها معنى
الدولة.