
2026/01/27

288
حسين العادلي
*السؤال الحقيقي في السياسة ليس: «ما الذي يجب فعله؟» بل: «ما الذي
يمكن تحمّل نتائجه دون تحويل الكلفة إلى خسارة، والخسارة إلى
كارثة؟».*
• في السياسة وإدارة الدولة، لا يُدار الفعل على وفق الأيديولوجية أو
القناعة أو المُشتهى، بل على ما يمكن تحمّل نتائجه على المجتمع
والدولة.
فبين الرغبة والقدرة ميزان، وبين الفكرة وتطبيقها حساب، ومَن يتجاهل
هذا الميزان، لا يرفع سقف الإنجاز، بل يقترب من حافة انهيار
الواقع.
• الممكن في السياسة هو ما تسمح به موازين القوى، وحدود الواقع، وطاقة
المجتمع والدولة على الاحتمال.
وما يتجاوز هذه الحدود، يعني الانتقال من الممكن المتاح إلى
المحال الذي لا يمكن تحقّقه.
• المطلق لا يقف في مواجهة الممكن، بل يتربّص به. فهو فكرة غير مشروطة
بالواقع، تصلح بوصفها أفقاً قيمياً، ولا تصلح برنامجاً للقرار.
وحين يُنقَل من حيّز الإلهام إلى حيّز الإلزام، يتحوّل من بوصلةٍ
أخلاقية إلى محالٍ سياسي، تدفع كلفته الدولة والمجتمع معاً.
• السياسة ليست فنَّ تحقيق المثال، بل فنَّ تفادي الأسوأ. ومن يطلب
منها قيماً خالصة، يحمّلها ما لم تُخلق له. فالسياسة لا تُدار بنوايا
مثالية، بل بوقائع ناقصة، ومصالح متعارضة، وقوى غير متكافئة.
وفي السياسة، لا يُختار بين الخير والشر، بل بين كلفٍ متفاوتة، أو بين
خسارةٍ محدودة وانهيارٍ شامل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في السياسة ليس: «ما الذي يجب فعله؟» بل:
«ما الذي يمكن تحمّل نتائجه دون تحويل الكلفة إلى خسارة، والخسارة إلى
كارثة؟».
• سياسة الممكن لا تُنكر القيم، لكنها ترفض تحويلها إلى شروط تعجيزية.
ولا تُعادي المبادئ، لكنها ترفض استخدامها كأدوات ابتزازٍ لتحقيق
الممكِن. فالمبدأ الذي لا يرى الواقع لا يسمو به، بل يصطدم به،
ويحوّله إلى ساحة صراع.
• التعنّت والتصلّب العقائدي ليس تمسّكاً بالمبدأ، بل تعطيلاً للحساب.
وهو لا يُنتج صلابة، بل هشاشةً مغطّاة بالشعارات.
فالعقيدة حين تنفصل عن الواقع، تتحوّل من إطارٍ ناظم إلى محرّك أعمى،
يصنع الكارثة باسم النقاء.
• أخطر ما في التعنت أنّه يُغري أصحابه بوهم الطُّهر، ويمنحهم شعور
التفوّق، بينما يُراكِم في العمق أسباب العجز ثم الانفجار.
فالكوارث السياسية لا تقع فجأة، بل تُصنَع تدريجياً حين يُصرّ الساسة
على مواقف لا يحتملها الزمن، ولا تستوعبها الموازين، ولا يقدر المجتمع
على دفع ثمنها.
• بناء معادلات سياسية يرفضها الواقع أو تناقضه ليس طموحاً، بل عنفٌ
مؤجَّل.
فالمعادلة التي لا تعترف بالقوى الفعلية، ولا بتعدّد وتضارب المصالح،
ولا بتفاوت القدرة على الفرض، لا تُنتج سياسة، بل انسداداً
فخراباً.
وحين تُبنى السياسة بالضدّ من الواقع، يُغلَق الأفق، ويُهدَّد
المستقبل، وتُدفَع الدولة إلى خيارات صفرية: إمّا صِدام شامل، أو جمود
طويل، أو انفجارٍ مؤجَّل تكون كلفته أضعاف ما كان يمكن تجنّبه.
• سياسة الممكن. لا تعدُ بالانتصار النهائي، ولا تزعم إنهاء الصراع،
ولا تَعِد بالجنة الأرضية.
هي تقول بوضوح ومسؤولية: هذا ما يمكن فعله الآن، دون تدمير الإطار
العام للدولة، ودون حرق المستقبل، ودون استدعاء المحال إلى موقع
القرار.
• السياسة التي ترفض الممكن باسم الطُّهر، أو الادّعاء، أو الغرور، أو
الجهل، لا تنتصر أخلاقياً، بل تؤجّل فشلها، لأنها غالباً لا تنتهي إلى
العدالة، بل إلى القمع باسم الضرورة، وإلى الإخفاق باسم الأعداء.
• في عالمٍ غير مثالي، لا تكون المسؤولية في ملاحقة المستحيل، بل في
منع الكارثة.
فاحترام الممكن، والعمل في حدوده، ليس تنازلاً قيمياً، بل أعلى درجات
العقل السياسي.
لأن نجاح الدولة يُقاس بقدرتها على إدارة الواقع، وبما تمنعه من خراب.