*الدولة ووهم السياسات الصفريّة*

2026/01/26

184
حسين العادلي
*كلّ شيء أو لا شيء: أخطر منطق في إدارة الدولة.*
• في لحظات الأزمات الكبرى، لا تسقط الدول دفعةً واحدة، بل تنزلق
تدريجيّاً نحو خيارات مغلقة تُقدَّم بوصفها حتميّة. في هذا المناخ،
يظهر وهم السياسات الصفريّة: كلّ شيء أو لا شيء، نصر أو هزيمة، وكأنّ
الدولة لا تملك سوى القفز إلى النهاية أو السقوط الكامل.
• تميل الدول، تحت الضغط أو التعبئة، إلى تبسيط السياسة وتحويلها إلى
معادلات حادّة: نصر أو هزيمة، صمود أو خيانة، ربح أو خسارة.
غير أنّ هذا المنطق الصفري، الذي يُغري بالوضوح الأخلاقي، يُدمّر
السياسة بوصفها إدارة، ويحوّلها إلى مقامرة مفتوحة على الخسارة
الشاملة.
• السياسة الصفريّة لا ترى إلّا طرفين متقابلين، ولا تعترف بالمناطق
الرماديّة. لكنها بذلك تُقصي أهمّ أدوات الدولة: المناورة، التدرّج،
إدارة الخسارة، وكسب الوقت. فالدولة التي لا ترى إلّا نهايتين، تفقد
القدرة على التحكّم بالمسار بينهما.
• أخطر ما في هذا المنطق أنّه يُحوِّل القرار إلى اختبار ولاء.
فالخيار الذي لا يُفضي إلى نصرٍ كامل يُدان بوصفه تنازلاً، وكلّ
محاولة لتخفيف الكلفة تُقرأ كضعف. وهكذا، يُغلق المجال أمام أيّ سياسة
عقلانيّة، ويُدفَع القرار إلى أقصى السقوف، حيث لا مجال للتراجع أبداً
دون كلفة رمزيّة مضاعفة.
• في ظلّ السياسات الصفريّة، تُشوَّه فكرة الصمود نفسها. فالصمود لا
يعود قدرةً على الاستمرار، بل شرطًا دائماً للتحمّل، بلا أفق أو
مراجعة. وتُستنزَف الدولة والمجتمع معاً باسم معركة لا يُسمَح
بإنهائها إلّا بانتصارٍ كامل، غالباً ما يكون مستحيلاً في موازين
القوّة الواقعيّة.
• المناطق الرماديّة ليست منطقة ضعف، بل مجال السياسة الحقيقي. فيها
تُدار التسويات، وتُحدَّد الأولويّات، وتُحمى المصالح الجوهريّة،
ويُفصل بين الصراع بوصفه حالة، والمعركة بوصفها مرحلة. فالصراع قد
يكون قدر الدولة، أمّا المعركة فاختيار، ومن يخلط بينهما يحوّل الوجود
السياسي إلى نزيفٍ بلا نهاية.
• أثر السياسات الصفريّة لا يتوقّف عند القرار، بل يمتدّ إلى المجتمع.
فحين يُربَّى الوعي العام على ثنائيّات حادّة، يصبح أيّ نقاش عقلاني
خيانة، وأيّ سؤال تشكيكاً. ويُدفَع المجتمع إلى التماهي مع خطاب لا
يترك له هامش فهم أو اعتراض، ثم يُطالَب بتحمّل كلفة خيارات لم يُسمَح
له بمناقشتها.
• كما تُحوِّل السياسات الصفريّة الخسارة إلى عار، لا إلى تجربة.
والدولة التي لا تعترف بالخسارة، لا تتعلّم منها، بل تُكرّرها في صورة
أشدّ. وهكذا، يتحوّل الإصرار على النصر الكامل إلى وصفة لاستنزافٍ
طويل، لا إلى حماية للسيادة.
• السياسة الواقعيّة لا تُنكر الصراع، لكنها ترفض تحويله إلى معركة
نهائيّة. هي سياسة تُدير التناقض، وتُجزّئ المواجهة، وتُفرّق بين ما
يمكن كسبه الآن وما يجب الحفاظ عليه للمستقبل. ليست شجاعة السياسة في
رفع السقف، بل في معرفة متى يُخفَّض دون انهيار المعنى.
• الدولة التي تتحرّر من وهم السياسات الصفريّة لا تصبح أقلّ صلابة،
بل أكثر قدرة على البقاء. فالقوّة الحقيقيّة ليست في رفض كلّ تسوية،
ولا في قبولها بلا شروط، بل في امتلاك مساحة القرار بين «كلّ شيء»
و«لا شيء».
• في النهاية، أخطر ما في السياسات الصفريّة أنّها تُريح الخطاب،
لكنّها تُهلك الدولة. فالدولة لا تُدار بمنطق النهايات، بل بمنطق
المسارات؛ ولا تُقاس حياتها بالانتصارات المطلقة، بل بقدرتها على
تفادي الخسارة الشاملة قبل أن تصبح قدراً.