*متى يموت المجال العام في الدولة؟*
2026/01/23
 
168

حسين العادلي

*يموت المجال العام حين تختفي المساحات الوسيطة بين السلطة والمجتمع، حين تُفرَّغ الأحزاب من معناها، وتُستملَك النقابات، ويُعلَّب الإعلام، وتتراجع الجامعات، ويُشيطَن المجتمع المدني. عندها لا يعود هناك حوار، بل سرديّات من تحت، وأوامر من فوق.*

• لا يولد المجال العام حيّاً من تلقاء نفسه، بل يُصنَع حين يتحرّر الفرد من هيمنة السرديّات الجاهزة والدولة القمعيّة، وحين يتحرّر الفرد وتتحرّر الجماعة من الخوف والجهل. فلا مجال عام بلا ذاتٍ فرديّةٍ يقِظة، وروحٍ جماعيّةٍ متطلّعة،
ولا يقظة تُحقِّق التطلّع بلا شجاعة السؤال، ولا شجاعة بلا استعدادٍ لدفع ثمن الوعي.

• المجال العام ليس مكاناً فقط، ولا منبراً، ولا مساحة كلامٍ عابرة.
هو الفضاء الذي تُنتَزع فيه المعاني من احتكار السلطة والسرديّة الواحدة، ويُعاد فيه تعريف الصالح العام بوصفه نتاجاً للنقاش لا للإملاء.
فيه يتكوّن الرأي العام، لا كصدى، بل كقوّة.
وتُناقَش السياسات، لا للتصفيق، بل للاختبار.
وتُمارَس فيه الحقوق: السؤال، والاختلاف، والشك، والمساءلة.
المجال العام هو اللحظة التي يقف فيها المجتمع أمام نفسه بلا أقنعة، وأمام سلطته بلا خوف.
وحين يُفرَّغ هذا الفضاء من وظيفته، يبقى شكله، وتموت روحه.

• يموت المجال العام حين تُغلَق مساحات الكلام الحر، لا بالقمع المباشر وحده، بل بآليّاتٍ أخطر: التشويه، والتخويف، والتصنيف، وصناعة سرديّاتٍ تُكافئ الصمت وتُجرِّم السؤال.
حين يصبح السؤال خطراً، والرأي تهمة، والاختلاف اشتباهاً، والحياد خيانةً مؤجَّلة.

• المجال العام لا يموت حين يحتدم الصراع، بل حين يُمنَع التعبير عنه.
فالخلاف ليس تهديداً للدولة، بل كتمه هو التهديد الحقيقي.
الصراع المقموع لا يختفي، بل يتراكم في القاع، يتحوّل إلى غضبٍ مكتوم، وإلى عداءٍ صامت، وإلى استعدادٍ دائم للانفجار.
الدولة التي لا تسمع الخلاف، ستسمعه لاحقاً، لكن بصيغةٍ أعنف.

• يموت المجال العام حين تختفي المساحات الوسيطة بين السلطة والمجتمع، حين تُفرَّغ الأحزاب من معناها، وتُستملَك النقابات، ويُعلَّب الإعلام، وتتراجع الجامعات، ويُشيطَن المجتمع المدني.
عندها لا يعود هناك حوار، بل سرديّات من تحت، وأوامر من فوق.
ولا يعود المجتمع شريكاً، بل جمهوراً مُداراً.

• يموت المجال العام حين يُختزل في صوتٍ واحد، ثقافيّاً كان أو وسياسيّاً أو حضاريّاً، ويُقدَّم هذا الصوت بوصفه «إجماعاً» أو «هويّة».
لكن الإجماع المفروض ليس وحدة، والصمت الجماعي ليس توافقاً، والسكون القسري ليس استقراراً.
إنه كبتٌ طويل الأمد، يتغذّى على الخوف، ويؤجِّل الانفجار بدل أن يمنعه.

• يموت المجال العام حين تتحوّل السياسة إلى مشهدٍ يُشاهَد، لا ساحةٍ يُشارَك فيها.
حين يصبح المواطن متلقياً لا فاعلاً، ومستهلكاً للخطاب لا شريكاً في صناعته.
عندها يُفرَّغ الرأي العام من معناه، ويتحوّل إلى صدى لما يُراد له أن يُسمَع، لا إلى رأيٍ يُسمَع.

• قيمة المجال العام لا تكمن فقط في الكلام، بل في اليقظة.
في ملاحظة الأخطاء في مهدها، قبل أن تتحوّل إلى أزمات، وقبل أن تتصلّب السياسات، وقبل أن يُدفع ثمن الصمت أضعافاً.
المجال العام هو آليّة الإنذار المبكّر في الدولة، والعين التي ترى الخلل قبل أن يصبح كارثة.

• المجال العام هو جهاز التنفّس السياسي للدولة.
فيه تتنفّس السلطة، ويتنفّس المجتمع، وتتجدّد الأفكار، وتُصحَّح المسارات.
وحين يُخنَق هذا الجهاز، لا تموت الدولة فوراً، لكنها تدخل في تصلّبٍ بطيء: تفقد قدرتها على التكيّف، ثم على الإصلاح، ثم على البقاء.

• أخطر ما في موت المجال العام، أنّه يحدث أحياناً بموافقةٍ صامتة.
حين يُقايض الناس الكلام بالأمان، والسؤال بالسلامة، والمشاركة بالانسحاب الفردي.
في تلك اللحظة، لا يكون القمع وحده هو القاتل، بل القبول به، والتكيّف معه.

• الدولة التي تخاف من المجال العام، لا تثق بنفسها.
والسلطة التي تُغلِق الفضاء العام، سلطةٌ مختطِفةٌ تخشى الشرعيّة. والمجتمع الذي يُهمِل المجال العام، يكتب ركودَه بيده.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟