*متى يموت شعب الدولة؟*
2026/01/22
 
244

حسين العادلي

*كما تموت الدولة بقيادة طاغية أو عاجزة، تموت أيضاً بشعبٍ استقال من دوره، ورضِي أن يعيش بلا معنى، وبلا أفق، وبلا إرادة.*

• لا يموت الشعب حين يُقهَر، فالتاريخ مليء بشعوب مقهورة ظلّت حيّة، تقاوم، وتفكّر، وتنتظر لحظتها.
الشعب يموت حين يُمسَخ، وحين يتحوّل من مالكٍ إلى مملوك، ومن سيّدٍ إلى عبد، ومن فاعلٍ إلى مفعولٍ به،
ثم يرضى بهذا الدور، ويُدافع عنه، ويُبرّره.

• يموت الشعب حين يتكيّف مع النّفاق، لا بوصفه حالة استثنائية شاذة، بل بوصفه نظام حياة.
ويموت حين يُعاد تفسير الإستسلام على أنه قدر، والتسلّط على أنه حماية، والإهانة على أنها ضرورة، والصمت على أنه حكمة.

• يموت الشعب حين يُختزل إلى غرائز بلا عقل، وعواطف بلا حكمة، وردود أفعال بلا تفكير.
حين يُدار بالخوف لا بالفهم، وبالشهوة لا بالمصلحة، وبالتحريض لا بالوعي.
يموت حين يصبح همه العلف، فلا يسأل عندها عن نوع الزريبة.
يموت حين يُقايض الكرامة بالاستهلاك، والحرية بالفتات، والمستقبل بلقمة اليوم.

• يموت الشعب حين يفقد حساسيته تجاه التسلّط، والإضرار، والحيف.
حين يصبح الفساد خبراً عاديّاً، والعنف مشهداً مألوفاً، والكذب ممارسة يومية لا تُستنكَر.
وحين تُصدم الضمائر مرة بعد مرة، حتى تفقد قدرتها على الاشمئزاز،.. في هذه المرحلة، لا يحتاج الاستبداد إلى عنفٍ كبير، فالتعوّد أنجع من القمع، والتطبيع أخطر من السجن.

• الشعب الحي ليس من يهتف، بل من يُراقب.
ليس من يصفّق، بل من يُحاسب.
ليس من يلعن في السر، بل من يسأل في العلن.
وحين تتحوّل المواطنة إلى رعيّة، والمشاركة إلى فرجة، والسياسة إلى مشهد يتابعه الناس ولا يؤثّرون فيه،.. تموت السياسة من أسفل، ويهنأ مَن في السلطة، لأن أحداً لم يعُد يُزعجه.

• يموت الشعب حين يُسلِّم عقله لغيره، ويفوّض وعيه، ويستعير رأيه، ويعيش على ما يُقال له لا على ما يراه ويختبره.
وحين تُصبح الحقيقة عبئاً، والسؤال تهمة، والتفكير مخاطرة، يختار السلامة.. 
لكن السلامة هنا ليست نجاة، بل انسحاباً بطيئاً من الحياة العامة.

• يموت الشعب حين ينسحب إلى النجاة الفردية،
ويترك المجال العام فارغاً، ويقايض الحرية بالأمان المؤقّت، ويُقنع نفسه أن ما لا يراه لا يعنيه.
وحين يصبح الخوف ثقافة، واللامبالاة فضيلة، والتكيّف ذكاءً اجتماعيّاً، لا يعود الشعب شريكاً في الدولة، بل مادّة تُدار، وأرقام تُضبط، وأجساد تُحرَّك داخل زريبة الطاعة.

• أخطر لحظة في موت الشعب ليست لحظة القمع، بل لحظة التبرير.
حين يدافع عن من يقهره، ويهاجم من يذكّره بكرامته، ويُشيطن كل محاولة للوعي أو النقد أو الاعتراض.
عندها، لا يعود الشعب ضحية فقط، بل شريكاً في إنتاج موته السياسي.

• الشعوب لا تموت حين تُهزم، بل حين تتوقّف عن الإحساس، والسؤال، والمحاسبة.
وكما تموت الدولة بقيادة طاغية أو عاجزة، تموت أيضاً بشعبٍ استقال من دوره، ورضِي أن يعيش بلا معنى، وبلا أفق، وبلا إرادة.

• الشعب الذي يتخلّى عن نفسه، لا يحتاج إلى طاغية..  سيصنعه بنفسه.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟