*كيف تُدار الدولة تحت الضغط؟*
2026/01/19
 
268

حسين العادلي

*الدولة الواقعيّة لا تبحث عن انتصارٍ كامل في لحظة ضعف، بل عن بقاءٍ قابل للاستعادة.*

• نادراً ما تُدار الدول في ظروف مريحة. فمسيرتها في الجوهر تاريخ أزمات وضغوط، لا تاريخ استقرارٍ طويل. ومع ذلك، كثيراً ما يُساء فهم إدارة الدولة تحت الضغط: إمّا بوصفها تبريراً للارتباك، أو ذريعةً لتعليق المعايير، أو لحظة يُستبدَل فيها التفكير بردّ الفعل.

• إدارة الدولة تحت الضغط ليست استسلاماً للإكراه، ولا قفزاً فوق الحدود باسم الضرورة، بل امتحان القدرة على التمييز: بين ما يمكن المناورة فيه وما لا يجوز المساس به، وبين القرار الذي يمنع الانهيار والقرار الذي يؤجّله فقط. 
في هذه اللحظات، لا تُقاس الحكمة بعلوّ الخطاب، بل بقدرة الدولة على ضبط إيقاعها، وتحديد أولوياتها، وحماية جوهرها وكيانها السياسي والاجتماعي معاً.
من هنا، لا يعود السؤال كيف تصمد الدولة تحت الضغط، بل كيف تُدار دون أن تفقد عقلها، أو شرعيتها، أو قابليتها للاستمرار.

• تُدار الدولة تحت الضغط حين تتخلّى، أوّلاً، عن وهم السيطرة الكاملة.
فالضغط لا يعني الفشل، بل لحظة اختبار. والدولة التي تنكر وجود الضغط تُضاعف أثره، لأنها تُؤجّل الاعتراف بدل إدارة الواقع.

• أوّل ما يتآكل تحت الضغط هو القرار المرتبك.
حين تختلط الغريزة بالعجلة، ويتقدّم ردّ الفعل على التفكير، تتحوّل الدولة من فاعل إلى مُستجيب، ومن مُبادر إلى مُطارِد للأحداث.
إدارة الضغط تبدأ بإبطاء القرار لا بتسريعه، وبتمركزه لا بتشتيته. 

• الدولة التي تُدار تحت الضغط لا تُراكم الخيارات، بل تُحدّد أولوياتها بصرامة.
ليس كلّ ملفّ قابلاً للفتح، ولا كلّ معركة قابلةً للخوض.
النجاة هنا ليست في الشمول، بل في الاختيار: ما الذي يمكن الدفاع عنه الآن؟ وما الذي يمكن تأجيله؟ وما الذي لا يجوز المساس به تحت أيّ ظرف؟

• تحت الضغط، يصبح الفرق حاسماً بين التنازل وإدارة الخسارة.
فالتنازل يُفقد الدولة أدواتها، أمّا إدارة الخسارة فتحافظ على قدرتها على العودة.
الدولة الواقعيّة لا تبحث عن انتصارٍ كامل في لحظة ضعف، بل عن بقاءٍ قابل للاستعادة.

• تُدار الدولة تحت الضغط حين تُميّز بين ما هو سياديّ وما هو سياسيّ.
فالسيادة ليست كلّ شيء في كلّ وقت، لكن هناك خطوطاً إن سقطت، لم يعد للتسوية معنى.
المهارة هنا ليست في رفع السقوف، بل في معرفة أين تُخفَّض دون أن ينهار البناء.

• الدولة التي تُحسن إدارة الضغط لا تُخاصم مجتمعها.
تشرح، وتُصارح، وتُقرّ بالكلفة، لأنّ الشرعيّة في لحظات الضغط أثمن من القوّة نفسها.
فالقرار الذي يُفهَم، يُحمَل. أمّا القرار الغامض، فيُقاوَم ولو كان صحيحاً.

• تحت الضغط، لا تُدار الدولة بالأيديولوجيا، بل بالمعرفة.
معرفة الذات: القدرة، والهشاشة، والتماسك. ومعرفة الآخر: تطوّره، وأدواته، وحدوده.
فالجهل في لحظة الضغط ليس خطأً، بل خطر وجودي.

• كذلك، لا تُدار الدولة تحت الضغط بمنطق الانتظار أو التسويف أو الترحيل.
فالزمن ليس محايداً، قد يعمل لصالحك، وقد يعمل ضدّك، ومن لا يُحوّل الوقت إلى أداة، يتحوّل هو نفسه إلى ضحيّة له.

• تُدار الدولة تحت الضغط حين تُدرك أنّ بعض القرارات لا تُنقِذ الموقف، بل تمنع الانهيار فقط. وهذا ليس فشلاً، بل حكمة قاسية.
فليس كلّ إنقاذٍ نصراً، لكنّ كلّ تجاهلٍ للانهيار هزيمة.

• في النهاية، الدولة التي تُدار بنجاحٍ تحت الضغط -وأياً كانت الأزمة- ليست هي الدولة الأقوى، بل الدولة الأوضح رؤية، والأقلّ أوهاماً، والأكفأ في القيادة والإدارة للأزمات، والأقدر على التمييز بين ما يجب الدفاع عنه الآن، وما يمكن استعادته لاحقاً، وما لا يجوز خسارته أبداً.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟