*التسوية من منطق الخيانة إلى شرط البقاء*
2026/01/17
 
123

حسين العادلي

*حين تُجرَّد الدولة من حقّها في التسوية، يبدأ الانهيار. فالأيديولوجيا تدفعها إلى التشدد حتى الانفجار، والشعبوية تدفعها إلى التصعيد حتى الإنهاك، والبلطجة تدفعها إلى القمع حتى التآكل. وفي كلّ هذه الحالات، لا تسقط التسوية وحدها، بل يسقط معها الكيان الذي رُفضت باسمه.*

• لا تُدان التسوية بذاتها، بل تُدان بمنظار الوعي الذي ينظر إليها، فهي تتلوّن بحسب الموقع الذي تُقرأ منه. 
فالتسوية في الوعي الأيديولوجي، خيانة. وفي الوعي الشعبوي، ضعف. وفي الوعي البلطجي، تنازل. أمّا في منطق الدولة، فهي أداة بقاء.

• في الوعي الأيديولوجي، تقوم السياسة على معيار الطهارة. فالفكرة هنا لا تُقاس بقدرتها على الاستمرار، بل بقدرتها على الاتساق. فكل ما لا يطابق المبدأ يُشتبه فيه، وكل ما يلين أمام الواقع يُدان أخلاقياً.
لهذا، تُفهم التسوية بوصفها سقوطاً من مرتبة الحقيقة إلى مستنقع الممكن، وتُقرأ لا كحلٍّ ممكن، بل ككسر للعقيدة.
في هذا الوعي، لا مكان للمنتصف: إمّا انتصار كامل، أو خيانة كاملة.

• أمّا في الوعي الشعبوي، فالتسوية تُدان عاطفياً، فالجماهير لا تسأل عمّا يمكن حفظه، بل عمّا لا يمكن خدشه.
التسوية لا تُثير الحماسة، ولا تُنتج صورة بطولية، ولا تصلح مادة للغضب الجماعي. لهذا تُفهم بوصفها ضعفاً، وتُقارَن دائماً بالمواجهة الصاخبة، لا بالنتائج الأخيرة.
في الوعي الشعبوي، ما لا يُستعرض يُحتقر.

• وفي الوعي البلطجي، تُختزل السياسة في ميزان الغَلَبَة لا في منطق الإدارة.
يتراجع المبدأ، وتغيب المصلحة العامة، ليحلّ محلّهما منطق الرابح والخاسر، والغالب والمغلوب.
التسوية لا تُفهم هنا بوصفها إدارة عقلانية للصراع، بل تُدان كتراجع غير مبرّر؛ إذ يُفترض أن من يملك القوّة لا يفاوض، وأن التنازل مساس بالهيبة.
ووفق هذا التصوّر، لا تُرى الدولة كياناً يُدار، بل غنيمة تُنتزع بالقوّة.

• لكن الدولة، من حيث هي دولة، لا تستطيع أن تعمل بأيٍّ من هذه المناظير.
فهي لا تبحث عن الطهارة، ولا عن التصفيق، ولا عن الاستعراض. إنها تبحث عن الاستمرار. والاستمرار لا يُصاغ بالمطلقات، بل التوازنات. ولا يُحمى بالشعارات، بل بإدارة التناقض. ولا يُبنى على الانتصارات الكاملة، بل على منع الهزائم الكاملة.

• في منطق الدولة، التسوية ليست انكساراً، بل تنظيماً للربح والخسارة.
ليست خيانة للمبدأ، بل إعادة ترتيب للأولويات. وليست ضعفاً، بل وعياً بحدود القوّة.
الدولة لا تسأل: من على حق؟ بل: ما الذي يمكن تحمّله؟ وما الذي إن انفجر، أسقط الكيان كلّه؟

• لهذا، تُفضّل الدولة تسوية ناقصة على صراع كامل، وتختار الحلّ القابل للحياة على الموقف الكامل غير القابل للاستمرار.
فالدولة تعرف ما تجهله الأيديولوجيا، وتتجاهله الشعبوية، وتحتقره البلطجة: أنّ الواقع لا يُدار بالحدّ الأقصى، وأن المجتمعات لا تعيش على حافة الخطر طويلاً.

• وحين تُجرَّد الدولة من حقّها في التسوية، يبدأ الانهيار.
فالأيديولوجيا تدفعها إلى التشدد حتى الانفجار، والشعبوية تدفعها إلى التصعيد حتى الإنهاك، والبلطجة تدفعها إلى القمع حتى التآكل.
وفي كلّ هذه الحالات، لا تسقط التسوية وحدها، بل يسقط معها الكيان الذي رُفضت باسمه.

• التسوية، في معناها العميق، ليست حلاً أخلاقياً، بل حلاً سياسياً. لا تمنح الرضا الكامل، ولا تصنع البطولة، ولا تُرضي المطلق. لكنها تحفظ الحد الممكن من الربح، فتمنع الانهيار،
وتحول دون الكارثة، وتُبقي المجال مفتوحاً لإدارة الممكِن في عالم التحديات.

• لذلك، لا يُقاس نضج الدول بقدرتها على المواجهة، بل بقدرتها على التسوية دون أن تفقد نفسها.
ولا يُقاس ضعفها بمرونتها، بل بعجزها عن تحويل الصراع إلى صيغة قابلة للحياة.

• في النهاية، التسوية ليست فضيلة أخلاقية، ولا رذيلة سياسية. إنها، ببساطة، لغة الدولة حين تريد أن تبقى.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟