*البراغماتية: الفضيلة التي يعمل بها الجميع، ويتنكّر لها الكلّ!!*

2026/01/17

29
حسين العادلي
*(حين تُشيطَن البراغماتية، لا تنتصر الأخلاق، بل تنتصر الفوضى، لأن
البديل عن التكيّف العقلاني هو الصِدام المفتوح أو الجمود
القاتل).*
• نادراً ما تُتَّهَم فضيلة في السياسة كما تُتَّهَم البراغماتية، إذ
تُقدَّم بوصفها انتهازية مقنَّعة، وتُصوَّر كخيانة للمبادئ، ويُنظر
إليها كتنازل أخلاقي باسم الواقع.
ومع ذلك، لا دولة تستمر من دونها، ولا سياسة تُدار بغيابها.
• البراغماتية لا تُجيد الخطابة، ولا تُنتج شعارات مريحة، ولا تمنح
شعوراً بالطهارة الأخلاقية.
إنها فضيلة صامتة، ثقيلة، وغير شعبية، لأنها تتعامل مع الواقع كما هو،
لا كما يُراد له أن يكون.
• البراغماتية، في أصلها، ليست مهارة التفاف ولا حيلة ظرفية، بل منهج
تفكير في العلاقة بين الفعل ونتيجته.
هي سؤال دائم عن الأثر، لا عن الادّعاء.
ولهذا يُساء فهمها، لأنها تُربك التقسيم السهل بين خيرٍ مطلق وشرٍّ
مطلق، وتُدخل السياسة في المنطقة الرمادية المقلقة.
• في الوعي الأيديولوجي، تُفهم السياسة باعتبارها تحقيقاً
للمبدأ مهما كان الثمن. أما في الوعي البراغماتي، فتُفهم السياسة
باعتبارها إدارةً للخسائر وتعظيماً للممكن.
وهنا يظهر الخلاف الجوهري: هل وظيفة السياسة إرضاء الضمير، أم حماية
المجتمع؟
• البراغماتية لا تنكر القيم، لكنها ترفض تحويلها إلى أصنام. ولا ترفض
المبادئ، لكنها ترفض التعامل معها كحقائق مكتملة قابلة للتطبيق
الفوري.
فالقيمة التي لا تحتمل التدرّج، ستتحوّل عاجلاً أو آجلاً إلى أداة
عنف. لهذا، تُقدّم البراغماتية أخلاق المسؤولية على أخلاق آليّات،
فأخلاق النيّات، مهما بدت سامية، هي أخلاق فردية تصلح للوعظ، ولا تصلح
للحكم. أما السياسة، فهي مجال أخلاق العواقب؛ حيث لا تُقاس الأفعال
بما أُريد بها، بل بما انتهت إليه، فالنيّات الطيّبة لا تمنع الكوارث،
والمواقف النقيّة لا تعصم من الخَراب. وكم من مشاريع رُفعت باسم
العدالة، فدمّرت الإطار الذي كان يُفترض أن يحميها.
• الخلط بين البراغماتية والانتهازية خلط شائع، وغالباً مقصود.
فالانتهازية تتحرّك بلا سقف قيمي، وتتبدّل مع موازين القوة فقط. أما
البراغماتية، فهي حركة داخل سقف، لا خارجه، سقف يعرف حدوده، ويُدرك أن
الحفاظ على الإطار أهم من تسجيل المواقف.
• السياسة البراغماتية لا تسأل: «من على حق؟»، بل تسأل: «ما الذي يمكن
تحمّل كلفته؟»، وهذا السؤال، على برودته الظاهرة، هو السؤال الوحيد
القابل للحكم.
من هنا، يصبح التنازل فعلاً عقلانياً لا علامة ضعف، ويغدو التراجع
تكتيكاً لا خيانة، وتتحوّل التسوية من تفريط بالمستقبل إلى حماية
له.
• الدولة، بخلاف الخطابات، كيان قَلِق بطبيعته، يعيش على التوازن لا
على النقاء.
وكل سياسة ترفع نفسها إلى مستوى المطلق، تُنذر بتفجير هذا التوازن.
ولهذا، لا تسقط الدول غالباً بسبب نقص القيم، بل بسبب فائضها
المتصلّب، حين تتحوّل القيم إلى أدوات إقصاء لا إلى أطر تنظيم.
• البلطجي يرفض البراغماتية لأنها تُقيّد اندفاعه، والأيديولوجي
يرفضها لأنها تُربك يقينه، أما الدولة، فلا تملك ترف رفضها؛ إمّا أن
تعمل بالبراغماتية، أو أن تتفكّك.
وحين تُشيطَن البراغماتية، لا تنتصر الأخلاق، بل تنتصر الفوضى، لأن
البديل عن التكيّف العقلاني هو الصِدام المفتوح أو الجمود القاتل.
• البراغماتية ليست إنكاراً للقيم، بل اختباراً لقدرتها على العيش.
وليست تنازلاً عن المبادئ، بل إنقاذاً لها من التحطّم على صخور
الواقع. ولهذا، فإن أخطر السياسات ليست تلك التي تفتقر إلى القيم، بل
تلك التي ترفض التكيّف باسم القيم.
• في السياسة، لا يُقاس النجاح بنقاء الشعارات، بل بقدرة النظام على
الاستمرار دون أن يُفجّر المجتمع من داخله.
البراغماتية، في هذا المعنى، ليست فضيلة مريحة، بل فضيلة ضرورية.
فضيلة من يعرف أن السياسة لا تُدار بالأماني، ولا تُحاسَب بالنوايا،
ولا تُنقَذ باليقين.
• البراغماتية ليست حلّاً مثالياً، لكنها الحاجز الأخير قبل
الانهيار.
هي اختيار الأقلّ ضرراً في عالم لا يتيح اختيارات نقيّة. وفي السياسة،
من يرفض هذا الاختيار باسم الطُهر، غالباً ما يسلّم المجتمع إمّا
للفوضى، أو للاستبداد.
فالسياسة التي لا تعرف كيف تتراجع، لا تعرف كيف تحكم.
السياسة البراغماتية لا تقول: هذا هو الحقّ المطلق، بل تقول: هذا هو
الممكن الأقلّ كلفة،.. إلى أن يصبح الأفضل ممكناً.