*الدولة وضرورة الانكماش السيادي للأيديولوجيا*

2026/01/15

32
حسين العادلي
• ليست المعضلة في حضور الأيديولوجيا داخل الدولة، ولا في حاجة الدولة
إلى الفكرة، بل في توهّم كلٍّ منهما إمكانية الاكتمال بذاته. فالدولة
التي تتخيّل قدرتها على البقاء بلا معنى، تُفرغ نفسها من سبب
الطاعة.
والأيديولوجيا التي تتخيّل قدرتها على الحكم بلا حدّ، تُفرغ نفسها من
قابلية الوجود.
• الدولة، من حيث هي دولة، ليست تجسيداً للفكرة المطلقة، بل تنظيمٌ
للحدّ: حدّ المصلحة، حدّ الحرية، حدّ القوّة، حدّ الحق، حدّ الواجب،
وحدّ التناقض.
الدولة لا تدّعي امتلاك الصواب المطلق، بل تحتكر حد إجراء الصواب
الضامن للبقاء، ولا تزعم إصلاح العالم، بل تريد تعايشه ومنع تفكّكه
داخل نطاق السيادة.
لهذا، لا تقوم الدولة على اليقين، بل على إدارة اللايقين. ولا على
الانسجام، بل على ضبط الاختلاف. ولا على وحدة أخلاقية، بل على تسوية
أخلاقية مستمرة بين قوى لا يمكن صهرها دون كلفة وجودية.
في المقابل، تنشأ الأيديولوجيا من منطق نقيض. فهي لا تفكّر في الحدّ،
بل في المعنى.، ولا في الممكن، بل في الواجب، ولا في الاستمرار، بل في
المطلق.
الأيديولوجيا لا تسأل كيف يُدار الواقع، بل لماذا لا ينصاع الواقع
للفكرة.
• من هنا، لا يكون التوتّر بين الدولة والأيديولوجيا طارئاً، بل
بنيوياً.
فالدولة لا تستطيع أن تعمل بمنطق الحقيقة النهائية، كما لا تستطيع
الأيديولوجيا أن تعيش بمنطق التسوية المفتوحة.
وحين تدخل الأيديولوجيا فضاء الدولة دون تحوّل، يبدأ الخلل.
فالفكرة التي لا تعترف بالحدّ، إذا مُنحت أدوات السيادة، لا تنتج
حكماً، بل محاكمة دائمة للواقع. وعندها تصبح السياسة اختبار ولاء،
والقانون أداة سيطرة، والاختلاف شبهة وجودية.
لكن الدولة، مهما طال الزمن، لا تحتمل هذا الوضع، فهي كيان يعيش على
التوازن لا على النقاء، وعلى القبول لا على الإطفاء. وحين تُدفَع إلى
تمثيل المطلق، تفقد قدرتها على الاستمرار بوصفها دولة، وتتحوّل إمّا
إلى سلطة قسرية، أو إلى بنية هشّة تنهار عند أول تناقض حاد.
• وفي الجهة الأخرى، حين تُقصي الدولة الأيديولوجيا كلياً، لا تتحرّر،
بل تُفرغ. إذ لا يوجد حكم بلا سردية، ولا شرعية بلا معنى، ولا طاعة
طويلة الأمد بلا حدّ أدنى من الاعتقاد المشترك.
من هنا، لا يكون الحل في نفي أحد الطرفين، بل في إعادة تحديد موقع
كلٍّ منهما.
وهنا تبرز ضرورة ما يمكن تسميته بـ "الانكماش السيادي
للأيديولوجيا".
• الانكماش السيادي للأيديولوجيا لا يعني انكسار الفكرة، بل تخلّيها
عن ادّعاء الشمول. أن تعترف بأن الدولة ليست أداة تحقيقها الكامل، وأن
السيادة لا تحتمل المطلق.
في هذا الانكماش، تتحوّل الأيديولوجيا من مبدأ حاكم إلى أفق دلالي،
ومن قانون أعلى إلى معنى موجِّه، ومن وعد كوني إلى سردية سيادية قابلة
للحمل داخل حدود الدولة.
هنا، لا تحكم الفكرة، لكنها تمنح الإتجاه. ولا تفرض الحقيقة، لكنها
تبرّر الإنتماء. ولا تطالب بالطهارة، بل تقبل بالتنازل بوصفه شرطاً
للوجود السياسي.
وحين يُنجَز هذا التحوّل، لا تُلغى الأيديولوجيا، بل تنجو. ولا تُضعَف
الدولة، بل تستقر.
أمّا حين يُترك الخلل دون معالجة، فالنتيجة واحدة مهما اختلف
المسار:
أيديولوجيا تنزلق إلى العنف أو تتحلّل إلى شعار، ودولة تتحوّل إلى
إدارة عمياء أو سلطة بلا معنى.
لهذا، فالعلاقة بين الدولة والأيديولوجيا ليست صراعاً صفرياً، بل
علاقة حدٍّ متبادل:
الدولة تُلزم الفكرة بالاعتراف بالواقع، والفكرة تُلزم الدولة بألّا
تنسى معناها.
وفي هذا الحدّ وحده، يمكن لكلٍّ منهما أن يبقى.