*حين تموت الدولة كنموذج: من القدوة إلى العدمية*

2026/01/04

215
حسين العادلي
• مع تطوّر المجتمعات البشرية وتعقّد بنياتها، لم تعد الدولة مجرّد
إطار تنظيميّ لإدارة الشأن العام، ولا مجرّد سلطة سياسية تضبط
الاجتماع بالقانون والقوة، بل غدت، تدريجياً، النموذج القيمي الأعلى
الذي تستبطنه الجماعة الإنسانية، وتحتكم إليه في وعيها الأخلاقي،
وسلوكها الجمعي، وتمثّلاتها للخير والشر، والعدل والظلم، والمشروع
والممنوع.
• بهذا المعنى، *تحوّلت الدولة من كيان مؤسسي إداري إلى مرجعية
أخلاقية ضمنية*،
فما تفعله الدولة يُشرعن، وما تبرّره يُبرَّر، وما تتغاضى عنه يُنسى،
وما تجرّمه يُدان. ولم يَعُد القانون وحده هو الحاكم، بل المثال الذي
تمثّله الدولة ذاتها: هل هي قدوة؟ أم مجرّد قوة؟ هل تُجسِّد المعنى،
أم تفرض الواقع؟
• الدولة/القيمة هي الأساس الأخلاقي للمجتمع
حين تكون الدولة متّسقة مع القيم التي تدّعيها، فتتحوّل إلى رافعة
أخلاقية للمجتمع. فالفرد لا يلتزم بالقانون خوفاً فقط، بل اقتناعاً
بأن هذا القانون يعكس معياراً عادلاً. والجماعة لا تنصاع للنظام بوصفه
قهراً، بل باعتباره تعبيراً عن حدّ أدنى من المعنى المشترك.
لكن الخطورة تبدأ حين تنفصل الدولة عن دورها القيمي، أو حين تتحوّل من
نموذج يُحتذى إلى كيان نفعيّ، انتقائيّ، مزدوج المعايير. عندها لا
تسقط الدولة سياسياً فحسب، بل تسقط أخلاقياً، ويبدأ الانهيار الأعمق:
انهيار النموذج.
• موت الدولة = موت النموذج.
موت الدولة لا يعني بالضرورة سقوطها المؤسسي أو تفكّكها الإداري، بل
قد يحدث وهي في أوج قوّتها العسكرية والاقتصادية.
موت الدولة الحقيقي هو موتها كنموذج: حين تنافق دون حرج، وحين تبرّر
العنف باسم النظام، وحين تمارس الظلم باسم القانون، وحين تُعيد تعريف
القيم بما يخدم مصالحها لا المعنى الإنساني.
*في هذه اللحظة، لا ينهار النظام وحده، بل ينهار الأساس الأخلاقي
للمجتمع. ومع انهيار النموذج، لا يبقى ما يُحتذى به، ولا ما يُصدَّق،
ولا ما يُراكم عليه الوعي الجمعي. هنا تبدأ العدمية: ليس بوصفها فكرة
فلسفية مجردة، بل كحالة حضارية شاملة.*
• من العدمية المحلية إلى العدمية الكونية.
ما نشهده اليوم من سياسات الدول المتغطرسة تجاه الدول الأضعف،
والمجتمعات الهشّة، ليس مجرّد صراع مصالح أو تنافس نفوذ، بل هو تفكيك
منهجي للنموذج القيمي العالمي.
حين ترى الشعوب أن القوة تُكافأ، والظلم يُبرَّر، والقتل يُدار
سياسياً، والمعايير تُقاس بالانتماء لا بالفعل، فإن الرسالة التي
تُزرع في الوعي الإنساني واحدة: لا معنى للعدل، ولا قيمة للأخلاق خارج
موازين القوة.
*وهنا تتجاوز العدمية حدود الدول المتضرّرة لتتحوّل إلى عدمية كونية:
ردّات فعل ثقافية راديكالية، انبعاثات سياسية متطرّفة، انسحابات فردية
من المجال العام، وتحوّل الإنسان من كائن أخلاقي إلى كائن نفعيّ أو
عدميّ.*
• الخطر التاريخي: حين يُفرَّغ المعنى.
أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس الحروب ذاتها، بل تفريغ المعنى.
فحين تفقد الدولة دورها القيمي، لا يعود البديل هو الحرية، بل الفوضى،
ولا يعود التمرّد مولّداً للعدل، بل للعنف،
ولا تعود المقاومة أخلاقية بالضرورة، بل قد تكون صدى للعدمية
ذاتها.
*إن التاريخ البشري لا ينهار حين تُهزم دولة، بل حين تنهار فكرة
الدولة كنموذج أخلاقي.* وحين يحدث ذلك على نطاق كوني، فإن البشرية لا
تواجه أزمة سياسية عابرة، بل منعطفاً وجودياً يعيد تعريف الإنسان،
والعلاقة، والمعنى.
• الدولة، شئنا أم أبينا، لم تعد مجرّد سلطة، بل أصبحت ضميراً عاماً،
فإن صلح الضمير، استقام المجتمع، وإن فسد، لم يبقَ سوى العدمية، مهما
كثرت الشعارات، وتعاظمت القوة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من الأقوى؟
بل: أيّ نموذج نُصدِّره للعالم؟
لأن ما نزرعه اليوم في صورة الدولة، سنحصدُه غداً في صورة الإنسان
وهيئة المجتمع.