*التطور العظيم والتوحش الأعظم!!*
2026/01/05
 
140

حسين العادلي

• يؤكّد التاريخ مرة بعد أخرى حقيقة لافتة: أنّ الإنسان يتقدّم علمياً باضطراد متسارع، فيما يتراجع قيمياً بالوتيرة نفسها. فالعلم، بوصفه تراكماً معرفياً وتجريبياً، يخضع لمنطق الإضافة والتطوير، كلّ جيل يبني على ما سبقه، فيزداد سلطان الإنسان على الطبيعة، وتتسع قدرته على الفهم والسيطرة. أمّا القيم، فهي ليست تراكماً آلياً، بل ممارسةٌ أخلاقيةٌ هشّة، ترتبط بالضمير أكثر مما ترتبط بالعقل الأداتي.

• لقد نجح الإنسان في اختراق الذرّة، وغزو الفضاء، وتطويع الخوارزميات، لكنه في الوقت ذاته عجز عن تهذيب نزعاته البدائية: الطمع، الهيمنة، العنف، والاستغلال. بل إنّ أدوات العلم نفسها، حين تنفصل عن القيم، لا تبقى محايدة، بل تتحوّل إلى وسائل أكثر فتكاً، فيغدو التقدّم العلمي مضاعِفاً لقدرة الشر، لا كابحاً له.

• تكشف هذه المفارقة خللاً بنيوياً في مسار الحداثة، إذ رُفِع العقل التقني إلى مقام المرجعية العليا، بينما أُزيحت القيم إلى الهامش، لا باعتبارها خطأً، بل باعتبارها شأناً ذاتياً أو عاطفياً. فصار السؤال: كيف نفعل؟ أهمّ من السؤال: لماذا نفعل؟، وأصبح الممكن علمياً مبرَّراً تلقائياً، ولو كان مرفوضاً إنسانياً.

• إنّ التراجع القيمي لا يعني غياب القيم نظرياً، بل تفريغها من فاعليتها، وإعادة تشكيلها لتخدم منطق المنفعة والقوّة. فالقيم تُعلَن في الخطاب، وتُنكَس في الممارسة؛ تُرفع شعارات العدالة، بينما يُمارَس ظلمٌ أكثر عقلنةً وتنظيماً وبرودة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتقدّم الإنسان بلا بوصلة أخلاقية، فيُحسن الصنع ويُسيء القصد.

• وعليه، فإنّ التحدّي الأكبر أمام الإنسانية اليوم ليس مزيداً من الاكتشافات، بل استعادة التوازن بين العلم والقيمة، بين القدرة والمسؤولية. فالعلم بلا أخلاق قوّة عمياء، والقيم بلا علم حُسن نيّة عاجز.
وما لم يحدث ذلك، فإنّ التاريخ لا يتّجه إلى إنسانٍ أرقى، بل إلى ولادة أخطر كائنٍ عرفه: مخلوق يجمع بين التطوّر العظيم، والتوحّش الاعظم!!
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟