*دولة الوديعة ودولة الغنيمة*

2026/05/11

55
حسين العادلي
*الأخطر في دولة الغنيمة، أنها تنتج طغياناً موزعاً، واستبداداً
شبكياً، تتقاسمه قوى النفوذ.*
• بعيداً عن الأيديولوجيات والشعارات، فإن طريقة التعامل مع الدولة هي
التي تكشف طبيعة الأخلاقيات السياسية. فهناك من يرى الدولة وديعة،
وهناك من يراها غنيمة. وبين الوديعة والغنيمة لا يُحسم شكل الحكم فقط،
بل يُحسم معنى الدولة ذاته، ومصير المجتمع نفسه.
• دولة الغنيمة تنشأ حين يُنزَع عن الدولة معناها بوصفها كيان أمة
وطنية تمثل الجميع وتخدمهم، لتتحول إلى مجمّع دويلات وإقطاعيات بعدد
مكوناتها وقواها ورموزها. تُقسَّم فيها السلطة والثروة والسيادة، لا
على أساس "النحن" الوطنية، بل على أساس "الأنا" الحزبية والنخبوية
والرمزية.
ليس على أساس الحق والعدالة والتضامن، بل وفق موازين القوة والنفوذ
والتدافع.
• في دولة الغنيمة يُنظر إلى الدولة كرَصيد قابل للاقتسام. السلطة
مكسب، والمنصب حصة، والقرار أداة نفوذ.
لا تُدار الدولة بوصفها مسؤولية، بل بوصفها مورداً. تُقاس المواقع
بحجم ما تمنحه من امتيازات، لا بما تفرضه من التزامات. وتتحول السياسة
إلى فنّ توزيع، لا نظام إدارة.
والأخطر هنا، أنّ دولة الغنيمة تنتج طغياناً موزعاً واستبداداً
شبكياً، تتقاسمه قوى النفوذ.
• في دولة الغنيمة يُعاد تشكيل الزمن السياسي نفسه، إذ تفكّر قواها
بعمر الدورة الانتخابية، وبعمر التحالف، وبعمر الصفقة، وبعمر الحصة،
وبأفق قصير ومتذبذب، لأنها تعيش تحت ضغط الاقتسام والتقاسم. لا تُخطط
لمستقبل الدولة، بل لإدامة توازناتها ومصالحها.
وهكذا يُدار الحاضر لتثبيت المواقع، لا لإدارة الحاضر وبناء
المستقبل.
• نموذج الدولة هذا لا يبقى حكراً على النخبة السياسية، بل يُنتج
ثقافة مجتمعية عامة ايضاً. فحين يرى المواطن أن الدولة تُدار بمنطق
الامتياز والحصص، يتعامل معها بالمنطق ذاته، فيبحث عن نصيبه، ليختصر
المواطنة في المنفعة، والاستقامة في "الفرهود".
وهكذا يتحول الانحراف السياسي إلى نمط ثقافي اجتماعي، وتتحول الدولة
إلى غنيمة كبرى يتسابق إليها الجميع ليفترسها، فيفوز بها الأقوى،
ويتسيّد بها الأفسد.
• أما دولة الوديعة فهي على الضدّ من ذلك. الدولة فيها كيان أمة وطنية
واحدة، تقوم على عقد جامع لا على توازنات إقطاعية مصالحية.
وهي وفق هذا الفهم أمانة سياسية لا ملكية إقطاعية. المنصب فيها وظيفة
محددة بحدود القانون، لا غنيمة مؤقتة. والسلطة مسؤولية أخلاقية قبل أن
تكون صلاحية قانونية. والتمثيل فيها للشعب، لا للحصة. وهي مع الجميع
بالقانون، وضد المنحرف عنه أياً كان موقعه.
• في دولة الوديعة يُنظر إلى الموارد العامة بوصفها حقاً مشتركاً، لا
مجالاً للتوزيع الفئوي. المؤسسات أقوى من شاغليها، والقواعد أعلى من
الأسماء. الانتقال في السلطة طبيعي، لأن الوديعة لا تُربط بشخص بل
بنظام. فالدولة باقية، والأشخاص عابرون.
• في دولة الوديعة لا تُخشى المساءلة، لأنها لا تمسّ ملكاً خاصاً، بل
تحمي أمانة عامة. ولا يُخشى التداول، لأنه ليس تهديداً للاستقرار، بل
ضمانته. قوتها في قدرتها على الاستمرار بعد مغادرة من يديرونها، وفي
قابليتها للتجدد دون أن تفقد تماسكها.
• الفارق الجوهري بين الدولتين يتجلّى في فهمهما للزمن.
دولة الغنيمة تُدير الحاضر لتثبيت المكاسب لأربابها، ودولة الوديعة
تُدير الحاضر لتأمين المستقبل لأبنائها.
الأولى تسأل: من يملك القرار والنفوذ والهيمنة؟ والثانية تسأل: هل
القرار عادل والسياسة صالحة للجميع؟
• الفارق بين الدولتين ليس في الادعاءات العريضة، بل في الوعي
والامتثال. حين تُفهم الدولة كغنيمة، تُستهلك تدريجياً حتى تتآكل
بنيتها، حتى لو بقي اسمها قائماً.
وحين تُفهم كوديعة، تُصان وتُراكم وتكبر، حتى لو مرّت بأزمات.
• الانتقال من دولة الغنيمة إلى دولة الوديعة ليس تغييراً في الأشخاص
فحسب، بل تحوّلاً في الفلسفة والضبط السياسي أولاً.
أن يُعاد تعريف السياسة كالتزام لا كاقتسام، وأن تُعاد صياغة السلطة
كأمانة لا كحق مكتسب أو صدفوي. فالدولة التي تُعامل كغنيمة تُختزل في
أعمار من يديرونها، أما الدولة التي تُعامل كوديعة فتتجاوزهم
وتبقى.
• وبين الوديعة والغنيمة لا يُحسم شكل الحكم فقط،
بل يُحسم معنى الدولة ذاته:
هل هي غنيمةُ مَن يصل إليها، أم وديعة في عنقه، تُسلَّم كما استُلمت،
بل أفضل؟