*مجتمع التعبئة: كيف يُصنَع العجز باسم العزم*

2026/02/26

252
حسين العادلي
*الدول لا تنهض بالجماهير ككتلة، بل بالمواطنين كعقول فاعلة. والعزم
الذي لا تسنده إرادة واعية، ينتهي عجزاً مُقنّعاً باسم القوة.*
• حين تنتقل التعبئة من كونها استجابة استثنائية إلى منهج دائم لإدارة
الدولة، لا تعود وسيلة حماية، بل تصبح بديلاً عن السياسة نفسها. عندها
يُدار المجال العام بعقل الاستنفار لا بعقل التخطيط، وتُستبدل
الحسابات بالشعارات، والبدائل بالاصطفاف. يُعاد تشكيل الوعي السياسي
ليُفضّل الحماسة على التقدير، والولاء على المساءلة، والانفعال على
المراجعة. ومع الزمن تُختزل الدولة في سردية تعبئة مستمرة، ويُختزل
المجتمع في كتلة استدعاء جاهزة، لا شريكاً في القرار. وهنا تبدأ
المفارقة السياسية الخطيرة: يُظن أن التعبئة تصنع التماسك، بينما هي
في حقيقتها تُقوّض قدرة الدولة على التفكير الهادئ، وتُنهك المجتمع
باسم العزم، حتى يُصنَع العجز في قلب خطاب القوة.
• ليست المشكلة في التعبئة عند الخطر، فالخطر يقتضي استنفاراً يناسب
حجمه ونوعه. المشكلة حين يتحول الاستنفار إلى حالة دائمة، وحين تُدار
الدولة بعقل الطوارئ لا بعقل الحكمة. عندها لا تعود التعبئة استثناءً
ظرفياً، بل تصبح بديلاً عن السياسة، وتغدو العاطفة بديلاً عن
العقل.
• التعبئة المستمرة لا تُنتج وعياً، بل تُنتج إنهاكاً. لا تُدرّب
الناس على التفكير، بل على التكرار. لا توسّع المدارك، بل تُضيّقها.
وحين يُربّى المجتمع على ثنائيات حادة -معنا أو ضدّنا، وطن أو خيانة،
صمود أو سقوط- يُسلب منه حق الفهم قبل حق الاعتراض. فالثنائيات لا
تشرح الواقع، بل تُغلقه، ولا تفتح الأسئلة، بل تُدينها مسبقاً.
• في هذا المناخ لا يعود المجتمع شريكاً في القرار، بل يتحول إلى كتلة
تعبئة. يُطالَب بالتحمّل لا بالمشاركة، وبالصبر لا بالمحاسبة،
وبالتصديق لا بالتقييم. يُستدعى كلما احتاجت السياسة إلى غطاء، لا
كلما احتاجت الدولة إلى عقل. وهكذا تتحول العلاقة من ثقة متبادلة إلى
استهلاكٍ متبادل: يُستهلك المجتمع في كل أزمة، ثم يُطلب منه أن يقبل
بالنتائج -أياً كانت- بوصفها بطولات.
• التعبئة تُحوّل الكلفة إلى قدر. فبدل أن تكون نتيجة قرار يمكن
مراجعته، تصبح امتحاناً أخلاقياً. من يحتجّ أناني، من يسأل مُخرّب، من
يطلب تفسيراً ضعيف الإيمان. بهذه الطريقة تُنزع السياسة من معناها،
لأن السياسة في أصلها اختيار بين بدائل وفق حساب الأرباح والخسائر.
أما التعبئة فتُلغِي البدائل: خطاب واحد، حماس واحد، هدف واحد. وحين
تُلغى البدائل يُعطَّل الاختيار، ويبقى المجتمع طاقة احتمال
مُستنزَفة، لا طاقة رأي مُشاركة.
• المفارقة أن التعبئة التي تزعم أنها تبني القوة، غالباً ما تصنع
العجز. فالمجتمع المُنهك لا يُنتج مبادرة، ولا يخلق حلولاً، ولا
يبتكر، ولا يُراقب، ولا يُصحّح. يعتاد التحمّل حتى يفقد حسّ التمييز:
لا يعرف أين الخطأ، ولا متى تتغير الشروط، ولا كيف يُقاس النجاح، ولا
كيف يُفرّق بين كلفة الربح وكلفة الخسارة. وهكذا تُصنع الهشاشة من
الداخل: مجتمعٌ حاضر عددياً، غائبٌ وظيفياً، موجود في الشارع، غائب في
الإرادة.
• ولعل التعبئة تنجح لأنها تمنح شعوراً سريعاً بالمعنى. تمنح الفرد
إحساساً بالانتماء، ولو كان انتماءً انفعالياً. تمنحه وضوحاً بسيطاً
في عالم معقّد. لكن هذا المعنى المؤقت لا يبني دولة، بل يؤجّل
الأسئلة: أسئلة السبب، والوسيلة، والغاية. وحين تُؤجَّل الأسئلة
طويلاً، تتراكم الإجابات المتأخرة كأعباء.
• الدول التي تعتمد التعبئة الدائمة -دول السرديات الأيديولوجية
والشرعيات الثورية والشموليات المقنّعة- تُجيّر الدولة للنظام،
والنظام للحكم، والحكم للسيطرة. تستبدل الإدارة بالخطاب، والعقل
بالحماس، والقياس بالشعار، والشراكة بالتصفيق. تُحاصر الخلل بالصوت
بدل معالجته، وتُحيط القرار بهالة أخلاقية تمنع مساءلته.
• التماسك الحقيقي لا يُبنى على الصمت، بل على الفهم. والوحدة التي لا
تسمح بالسؤال خوف مقنّع. الشرعية لا تُصنع بالتعبئة، بل تُبنى بالثقة،
والثقة لا تُبنى إلا حين يُعامل المجتمع باعتباره شريكاً لا احتياطاً
بشرياً يُستنزف.
المجتمع الذي يُعبَّأ بلا فهم يُستنزف بلا معنى. قد يصبر زمناً، لكنه
لا ينهض طويلاً.
فالتعبئة تُنتج جماهير، أما الفهم فيُنتج مواطنين.
والدول لا تنهض بالجماهير ككتلة، بل بالمواطنين كعقول فاعلة.
والعزم الذي لا تسنده إرادة واعية، ينتهي عجزاً مُقنّعاً باسم القوة.