*الدولة ووهم الصمود الطويل*

2026/02/25

46
حسين العادلي
• الصمودُ قيمةٌ حين يقود إلى مخرج.
أمّا الصمودُ الذي لا يراجع نفسه، فهو طريقٌ طويلٌ إلى الإنهاك.
• الصمود رافعة حين يكون له أفق، ومنزلق حين يتحوّل إلى غاية
بذاته.
الصمود بلا مراجعة ليس قوّة، بل إنكار مؤجّل. والدولة التي تُقيم
سياستها على "التحمّل الدائم" قد تبدو صلبة في الخطاب، لكنها غالباً
ما تكون عاجزة في القرار، لأنها ترفع فضيلة الصبر إلى مستوى البديل عن
الفعل، وتُحوّل الزمن إلى سياسة بدل أن تُحوّل السياسة إلى زمن.
• وهم الصمود الطويل يبدأ حين يُعاد تعريف السياسة بوصفها قدرة على
الاحتمال لا قدرة على التغيير. حين يُصبح السؤال: كم نتحمّل؟ بدل أن
يكون السؤال: ماذا نفعل؟ وحين تُستبدل إدارة الخسارة بإخفائها، وإدارة
الكلفة بتجميلها، وإدارة النزاع بتأبيده. في هذا المناخ يصبح الصمود
"سردية نجاة" للخطاب، لا استراتيجية نجاة للدولة.
• الدولة التي تُمجّد التحمّل الدائم تعفي نفسها من السؤال الأصعب:
إلى أين؟ فحين يكون الصمود هو الجواب الجاهز، تُغلق الأسئلة: لا
مراجعة لأنّها "تُضعف المعنويات"، ولا تصحيح لأنّه "يشوّه الصورة"،
ولا اعتراف بالكلفة لأنّه "يُحبط المجتمع". وهكذا يتحوّل الصمود من
أداة حماية إلى آلية استنزاف بطيئة: استنزاف للموارد باسم الثبات،
واستنزاف للمجتمع باسم البطولة، واستنزاف للشرعية باسم الوحدة.
• الصمود الطويل قد يصنع إنجازاً رمزياً، لكنه لا يصنع دولةً قابلة
للحياة. لأن الدولة لا تُقاس بقدرتها على البقاء في الألم، بل بقدرتها
على تحويل الألم إلى معرفة، والخسارة إلى تصحيح، والوقت إلى فرصة.
أمّا حين يُستخدم الصمود لإغلاق باب المراجعة، يصبح الزمن خصماً: يفتح
شقوقاً في النظام، ويُعمّق الإحباط في المجتمع، ويُراكم التآكل داخل
المؤسسات، حتى تنهك الدولة دون أن تُهزم.
• الصمود الحقيقي ليس أن تتحمّل بلا نهاية، بل أن تعرف متى تُغيّر
المسار قبل أن يحترق الطريق. أن تُفرّق بين صمودٍ يحمي الجوهر وصمودٍ
يستهلكه، بين ثباتٍ عقلاني يوسّع القدرة وثباتٍ عاطفي يجمّدها. فالقوة
ليست في أن تصمد طويلاً، بل في أن تصمد حيث يجب، وأن تُراجع حيث يلزم،
وأن تُنهي ما يجب إنهاؤه قبل أن يتحوّل إلى محرقة مفتوحة.
• ليس كل من يصمد ينتصر، لكن كل من لا يراجع ينهك نفسه باسم الفضيلة.
فالدولة التي تُقدّس الصمود دون أفق، تُحوّل الزمن إلى خصم، وتحوّل
الصبر إلى سياسة، ثم تستيقظ متأخرة لتكتشف أنّها صمدت طويلاً، كي تخسر
أكثر.