*السياسة بين علوّ الصوت وقدرة الدولة*
2026/02/24
 
494

حسين العادلي

*الخطاب الذي يتجاوز القدرة لا يصنع هيبة، بل يترك الدولة أمام خيارين: تورّط مكلِّف، أو تراجع مُحرج.*

• الخطاب بنبرةٍ عالية ومغامِرة لا يرفع الدولة، بل يرفع سقف تورّطها. وكل سقفٍ لا تحميه القدرة يتحوّل إلى فخّ.

• رفع السقف يمنح شعوراً زائفاً بالقوّة، لكنه في الحقيقة يُقلّص مساحة المناورة والقرار. فكلما ارتفع السقف، ضاق الهامش، وأي تراجع يُقرأ كهزيمة رمزية لا تُحتمل. وهكذا تتحول اللغة من أداة سياسة إلى قيدٍ عليها، وتتحول الكلمات من وسيلة ضغط إلى التزامٍ مُسبق لا يمكن التراجع عنه دون كلفة.

• السياسة ليست سباق شعارات، بل إدارة ممكن. منطق الدولة ليس أن تقول أقصى ما يمكن قوله، بل أن تفعل أقصى ما يمكن فعله. غير أنّ الدولة حين تستبدل السياسة بالخطاب، تُسلم زمامها لصورتها، فتصبح معنيّة بما يبدو لا بما يتحقّق، وبما يُقال لا بما يُدار.

• الخطر في السقوف العالية أنها لا تُغلق باب المرونة فقط، بل تُغلق باب التفكير. فهي تحاصر صانع القرار داخل صورةٍ مثالية لا تسمح بالمراجعة. فيتحول السؤال من: ما المصلحة الوطنية؟ إلى: كيف نحافظ على الصورة؟

• ومع الوقت يتحول الخطاب إلى عقدٍ رمزي لا يمكن نقضه. تُجبر الدولة على الاستمرار، لا لأن الاستمرار مجدٍ، بل لأن التراجع مُدان سلفًا. ويُدار القرار بمنطق "عدم الانكسار الرمزي" لا بمنطق الكلفة والعائد.

• ثمة بُعد نفسي أيضاً: المجتمعات المنهكة تميل إلى الخطاب العالي لأنه يمنحها شعوراً بالقوة المعنوية. لكن الشعور لا يُدير توازنات، ولا يحسم صراعاً، ولا يحمي قراراً. الدولة التي تُغذّي جمهورها بالشعارات بدل الحقائق قد تربح التصفيق، لكنها تخسر القدرة على المطاولة.

• الدولة الواقعية لا تخاف من اللغة، لكنها لا تعبدها. ترفع السقف حين يخدم هدفاً محسوباً، وتخفضه حين يصبح عبئاً استراتيجياً. تعرف أن السيادة ليست في قول ما لا تستطيع حمايته، بل في حماية ما تقول.

• الخطاب الذي يتجاوز القدرة لا يصنع هيبة، بل يصنع التزاماً فوق الطاقة. ثم يترك الدولة أمام خيارين: تورّط مكلف، أو تراجع مُحرج.

• السياسة لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بقدرة الدولة على التقدّم دون أن تحترق، وعلى التراجع دون أن تنهار صورتها.
فالدولة التي تُبالغ في خطابها تُضيّق على قرارها، والدولة التي تُحسن ضبط خطابها تُوسّع هامش قدرتها.
في السياسة، الضجيج قد يصنع لحظة، لكن القدرة وحدها تصنع مساراً.
والصوت العالي لا يَحمي دولة، إن لم تُسنِده قوة قادرة على تحمّل نتائجه.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟