*متى تموت النخبة في الدولة؟*

2026/01/22

44
حسين العادلي
*النخبة التي لا تُزعج السلطة بالحق، ولا تُقلق المجتمع بفاعلية، ولا
تُربك السائد لما هو أفضل، هي نخبة ميتة.. ولو كانت حاضرة في كل
المنابر.*
• الشعوب بنخبها؛ فإن رأيت شعباً ميتاً، فزُر مقابر النخب.
النخبة ليست زينة اجتماعية، ولا طبقة تبجُّح، ولا جماعة امتياز، بل
وظيفة تاريخية: عقل المجتمع، وضميره، وجهاز إنذاره المبكر.
وحين تموت هذه الوظيفة، يتيه المجتمع، ولو ظلّ الناس أحياء.
• تموت النخبة حين تستقيل من مسؤوليتها، لا حين تُقصى فقط.
حين تتخلّى عن دورها النقدي، وتفضّل السلامة على الحقيقة، والسكوت على
الصِدام، والتكيّف على المواجهة.
فالنخبة لا تموت فقط بالقمع، بل تموت أيضاً بالخوف، وبالحسابات
الصغيرة، وبالحرص الرخيص على المواقع والامتيازات.
• تموت النخبة حين تفقد دورها كوسيط نقدي بين السلطة والمجتمع.
حين تتحوّل من عقلٍ يسائل إلى لسانٍ يبرّر، ومن ضميرٍ عام إلى جهاز
علاقات عامة، ومن مرآة تكشف الخلل إلى ستار يخفيه.
النخبة لا تُقاس بشهاداتها، ولا بمناصبها، ولا بحضورها الإعلامي، بل
بقدرتها على قول ما لا يُراد قوله، في الوقت الذي يُراد فيه
الصمت.
وحين تفقد هذه القدرة، تفقد معناها، مهما تضخّمت لغتها أو اتّسعت
منابرها.
• تموت النخبة حين تُبدّل وظيفتها، حين تصبح مهمتها شرح السلطة بدل
تقويمها، وتجميل القرار بدل مساءلته،
وتخدير المجتمع بدل تنبيهه.
وحين تبرّر الصمت باسم المصلحة، والفشل باسم الواقعية، والاستسلام
باسم الضرورة،..
إنها هنا تُمارس النخبوية كهندسة قبول بالانحطاط.
• تموت النخبة حين تُقنِع نفسها أن قربها من السلطة يمنحها تأثيراً،
بينما هو في الحقيقة يُفرغها من استقلالها، ويحوّلها إلى ملحقٍ
تبريري، أو شاهد زورٍ أنيق.
أخطر النخب ليست الجاهلة، بل المُدجَّنة: تفهم الواقع، لكنها تتجاهل
نتائجه، وتملك اللغة، لكنها تفرّغها من المعنى. وتعرف الخطأ، لكنها
تواطؤ معه، حتى يصبح كارثة عامة.
• تموت النخبة حين تنفصل عن المجتمع، وتتحدّث عنه لا معه، وتخاطبه من
علٍ، أو تخشاه من أسفل.
حين تنسى أن شرعيتها ليست من السلطة، ولا من الخارج، بل من صدقيتها
أمام الله والناس والحقيقة والتاريخ.
• تموت النخبة حين تستبدل التفكير بالاصطفاف، والتحليل بالتخندق،
والحقيقة بالانتماء.
وحين تصبح مواقفها انعكاساً لمواقعها، لا تعبيراً عن قناعاتها.
• حين تموت النخبة، لا يبقى المجتمع بلا عقل فقط، بل بلا بوصلة.
تختفي المعايير، ويختلط الصواب بالخطأ، ويصبح كل شيء قابلاً للتبرير
والنفاق.
وفي غياب النخبة الحيّة، تتحوّل السلطة إلى مرآة لا ترى فيها سوى
نفسها، ويتحوّل المجتمع إلى كتلة جاهلة أو صامتة،.. همّها العيش، دون
أن تحيا جدل التغيير والتطوّر في داخلها.
• النخبة التي لا تُزعج السلطة بالحق، ولا تُقلق المجتمع بفاعلية، ولا
تُربك السائد لما هو أفضل، هي نخبة ميتة.. ولو كانت حاضرة في كل
المنابر.
وكما تموت الدول بقيادة فاسدة أو عاجزة، وتموت بشعبٍ استقال من دوره،
تموت الدولة أيضاً بنخبةٍ خانت وظيفتها، واختارت السلامة على الحقيقة.