*الأيديولوجيا والدولة: من الطهورية إلى الرمزية*
2026/01/14
 
149

حسين العادلي

*(تدفع الدولة الأيديولوجية إلى الانكماش السيادي: أي إلى التحوّل من عقيدة شاملة إلى رمزية منضبطة، ومن مشروع تغيير كوني، إلى سردية وطنية، فالدولة لا تسمح للأيديولوجية أن تبقى مطلقة أو أن تحكم، لأنها لو فعلت لألغت الدولة نفسها.)*

• ليست الدولة كياناً أيديولوجياً، ولا مشروع خلاص.
الدولة، في جوهرها العميق، جهاز إدارة ضابط وموجِّه للتناقضات الطبيعية داخل الدولة: تناقض المصالح، وتضارب القيم، واختلاف الرؤى، وتعدّد الهويات داخل المجتمع السيادي الواحد. 
وحيثما وُجدت الدولة، وُجد الاعتراف الضمني بأن المجتمع لا يُحكم بالصهر بل بالتعدّدية، ولا يسير بالانسجام بل بالتوازن، ولا يُدار باليقين بل بالتسوية.

• من هنا يبدأ التوتّر البنيوي بين الدولة والأيديولوجيا.
الأيديولوجيا بطبيعتها، نزعة طهورية، تسعى إلى الواقع كما يجب أن يكون، لا كما يمكن أن يكون.
فالأيديولوجيا تؤمن بالاتساق الكامل، وبالحقيقة الواحدة، وبالطريق المستقيم الذي لا انحراف فيه. ولذلك فهي ترى في التناقض عيباً، وفي الاختلاف خطراً، وفي التسوية خيانة.

• الأيديولوجيا لا تُدير الواقع، بل تحاكمه، لكن الدولة لا تستطيع أن تعمل بهذه الروح.
فحين تنتقل الأيديولوجيا من مستوى الفكرة إلى مستوى الدولة، تبدأ أولى خسائرها: خسارة الطهارة.
ذلك أن الدولة، بحكم وظيفتها، تُجبر الأيديولوجيا على الاحتكاك بالواقع: بالاقتصاد، والجغرافيا، والمجتمع، وبالقيود الدولية. ومع كل احتكاك، تتآكل صلابة الفكرة، ويُعاد تشكيلها، أو يُنزَع منها ادّعاء الكمال.
وهنا لا تُباد الأيديولوجيا، بل تُفرَّغ من قدرتها الطهورية.
فالدولة لا تسمح للفكرة بأن تبقى مطلقة، لأنها لو بقيت كذلك لانفجرت.
ولا تسمح لها بأن تحكم وحدها، لأنها لو فعلت لألغت الدولة نفسها.
لذلك تدفع الدولة الايديولوجية - قسراً أو حيلةً- إلى الانكماش السيادي: أي إلى التحوّل من عقيدة شاملة إلى رمزية منضبطة داخل حدود الدولة. فنرى الأيديولوجية وقد انتقلت من مشروع تغيير كوني، إلى سردية وطنية.
ومن عقيدة عابرة للحدود، إلى: هوية سياسية واقتصادية وثقافية، بل أحياناً إلى: رمز رياضي، أو إنجاز تنموي، أو تفوّق تنافسي، أو قصة نجاح تُروى باسم الدولة.
وهذا التحوّل ليس عرضياً، بل هو آلية دفاع للدولة.

• الدولة لا تحتمل الأيديولوجيا حين تكون مطلقة، لكنها تحتاجها حين تكون رمزية.
تحتاجها كوقود تعبوي لا كعقيدة حاكمة، كهوية جامعة لا كقيمة طهورية، كمعنى للانتماء لا كمنهج حكم.
*بهذا المعنى، يصبح "انكماش الأيديولوجيا" داخل الدولة حلاً وسطاً: تحتفظ هي بشيء من مبدئيتها كي تمنح الشرعية، وتتنازل عن طهوريتها كي تسمح بالإدارة.*
أمّا حين ترفض الأيديولوجيا هذا الانكماش، وتُصرّ على الاحتفاظ بمطلقها داخل الدولة، فإن أحد أمرين يحدث: إمّا أن تتحوّل الدولة إلى أداة قمع باسم الفكرة، أو تنهار الدولة تحت ثقل التناقض الذي ترفض الأيديولوجيا الاعتراف به.
وفي الحالتين، لا تنتصر الفكرة، ولا تبقى الدولة.
لذلك، ليست الدولة عدوّ الأيديولوجيا، ولا الأيديولوجيا عدوّ الدولة على الدوام، بل العلاقة بينهما علاقة شدّ وتدجين متبادل.

• الدولة تُهذّب الأيديولوجيا كي لا تُدمّرها، والأيديولوجيا تُغذّي الدولة بالمعنى كي لا تتحوّل إلى جهاز فارغ.
لكن الخطر يبدأ حين تختلّ هذه المعادلة: حين تتخيّل الأيديولوجيا أنّها قادرة على الحكم دون تنازل، أو حين تتوهّم الدولة أنّها قادرة على الإدارة دون معنى.
عندها فقط، يتحوّل التوتّر الخلّاق إلى صِدام هدّام،
وتعود السياسة إمّا بلطجة بلا فكرة، أو فكرة بلا سياسة.

*الدولة تعرف ما تجهله الأيديولوجيا: أنّ الواقع لا يُدار بالحدّ الأقصى للفكرة، وأن المجتمعات لا تعيش على خطر المواجهة طويلاً. وتعرف: أنّ نُضج الدولة يُقاس بقدرتها على الحلول دون أن تفقد نفسها، وبقدرتها على تحويل الصراع إلى صيغة قابلة للحياة.*
*التسوية: لغة الدولة حين تريد أن تبقى.*

 

الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟