*البلطجي والإيديولوجي التوأم الخفيّ*

2026/01/12

227
حسين العادلي
*«البلطجي يحكم بالعصا، والإيديولوجي يحكم بالفكرة، والنتيجة واحدة:
مصادرة السياسة وتحويلها إلى مجال مغلق»*
• ليست البلطجة نقيض الإيديولوجيا، كما يُخيَّل، بل توأمها
الخفيّ.
البلطجي يحكم بالعصا، والإيديولوجي يحكم بالفكرة، والنتيجة واحدة:
مصادرة السياسة باسم القوّة أو باسم الحقيقة، وتحويلها إلى مجال مغلق
لا يقبل النقاش.
• البلطجي يقول: أنا القوّة، ومن يعارضني عدو.
الإيديولوجي يقول: أنا الحقيقة، ومن يعارضني ضال.
كلاهما يحتكر الشرعية، أحدهما بالسلاح، والآخر باليقين.
وكلاهما يُلغي التعدّد، ويُشيطن الاختلاف، ويحوّل الدولة من فضاء
إدارة المصالح إلى أداة إخضاع.
• في السياسة البلطجية، الخوف هو الوقود. وفي السياسة الإيديولوجية،
اليقين الأعمى هو الوقود.
لكن الخوف حين يُطلَق بلا عقل، واليقين حين يُرفَع فوق المساءلة،
يُنتجان النظام نفسه: قائد فوق المحاسبة، قانون انتقائي، ومجتمع
مُستقطَب حتى العطب.
• البلطجي لا يحتاج إلى إقناع، لأنه يُرهب. والإيديولوجي لا يحتاج إلى
نقاش، لأنه يُكفّر أو يُخوِّن.
كلاهما لا يحتمل الحرية والسؤال الحرّ، لأن السؤال يُهدّد سلطته:
البلطجي يخاف السؤال لأنه يفضح ضعفه، والإيديولوجي يخافه لأنه يُربك
يقينه.
• البلطجي يكره المؤسسات لأنها تُقيّد نزواته، والإيديولوجي يكرهها
لأنها لا تنطق بعقيدته الخالصة.
كلاهما يرى في الدولة عائقاً لا إطاراً،. ويرى في القانون أداة لا
مرجعية، وفي المجتمع كتلةً يجب تطويعها لا شريكاً يجب تمثيله.
كلاهما يسعى إلى تهميش ثم تجيير الدولة لصالح «المشروع»: مشروع الذات
عند البلطجي، ومشروع الفكرة عند الإيديولوجي.
لكن المشروعين، مهما اختلفت شعاراتهما، يلتقيان عند النتيجة نفسها:
دولة هشّة، سياسة مشلولة، ومجتمع يُدار بالتخويف أو بالتعبئة
العمياء.
• يشترك البلطجي والإيديولوجي في عنصرٍ آخر لا يقلّ خطورة:
الاستعراض.
فوجودهما وكاريزمتهما مقترنان دوماً بتضخيم الرمزية.
البلطجي يعتبر خدش أو تجاوز رمزيته نهايةً له، والإيديولوجي يعتبر خدش
أو تجاوز فكرته نهايةً له.
لذلك لا يقبلان التنازل، لأن التنازل عندهما ليس خياراً سياسياً، بل
تحطيم لرمزية الذات أو رمزية الفكرة.
بينما الدولة والسياسة كيانان براغماتيان بطبيعتهما، لا يعملان ولا
يُنتجان دون البراغماتية، ولا يستقيمان دون المرونة، ولا يحميان
المصلحة العامة دون القدرة على التراجع المحسوب.
• لا يختلف البلطجي والإيديولوجي كثيراً في إدارة السياسة
الخارجية.
فالبلطجي ينقل منطقه الداخلي إلى الخارج: يُدير العلاقات الدولية
بمنطق العضلات، والتهديد، وكسر القواعد، ويرى في العالم ساحات نفوذ لا
شبكات مصالح، ويتعامل مع الدول كما يتعامل مع خصومه في الداخل:
ابتزاز، استعراض، وصدام مفتوح.
أمّا الإيديولوجي، فيُصدّر عقيدته إلى الخارج، ويُحوّل السياسة
الخارجية إلى ساحة دعوة أو صراع عقائدي، فيُقسّم العالم إلى معسكر حقّ
ومعسكر باطل، ويُخضع العلاقات الدولية لمنطق الاصطفاف لا التوازن،
ولنقاء الفكرة لا لتعقيد الواقع.
كلاهما لا يؤمن بالقانون الدولي إلا حين يخدمه، ولا يحترم الأعراف إلا
حين تُثبّت موقعه، وكلاهما يستبدل الدبلوماسية بالعقاب، والتفاوض
بالإنذار، والشراكة بالوصاية أو العداء.
وفي الحصيلة، لا تُنتج سياستهما الخارجية أمناً مستداماً، بل توتّرًا
دائماً، ولا تحمي المصالح، بل تُغامر بها، ولا ترفع مكانة الدولة، بل
تعزلها أو تُحمّلها أثمان صراعات أكبر من قدرتها.
فالبلطجي يُفجّر الأزمات ليبدو قويّاً، والإيديولوجي يُطيلها ليبدو
مُحقّاً، وكلاهما يُرهق الدولة ويستنزف مستقبلها.
• السياسة الحقيقية لا تُدار بالعصا ولا بالإيديولوجيا، بل بالعقل
المرن، والحكمة الممكنة، وبالقدرة على تحقيق المصالح بتوازن، وتحمّل
الخسائر دون تدمير الأسس، وبتقدير عميق للمسؤولية عن مصائر الشعوب في
الداخل والخارج.
فالسياسة، هي فن إدارة الاختلاف لا سحقه، وتنظيم القوّة لا عبادتها،
وتحويل القيم إلى سياسات قابلة للحياة، لا إلى أصنامٍ تُكسَر على رؤوس
الناس.