*السِّياسة البلطجيَّة*
2026/01/11
 
334

حسين العادلي

• ليست المشكلة في بلطجيٍّ واحد، فالأفراد يأتون ويذهبون، بل في السياسة البلطجية حين تتحوّل من انحراف فجّ إلى مدرسة قائمة، ومن سلوك عابر إلى منطق حكم، ومن نرجسية سلطوية إلى عدميّة سياسية لا تؤمن بشيءٍ سوى البقاء.

• السياسة البلطجية لا تُبنى على رؤية، بل على صدمة، ولا تبحث عن حلول، بل عن خصوم. لا تؤمن بالدولة، بل بالزعيم الذي يختزلها في صوته وصورته ونزواته. 
هي سياسة تعيش على اللحظة، وتخاف من المستقبل، وتُدير الحاضر بوصفه معركة مفتوحة لا تنتهي.

• في السياسة البلطجية، لا يُستخدم العنف كأداة طارئة، بل يُبنى عليه الحكم.
الفوضى ليست فشلاً، بل بيئة مثالية للسيطرة. والخوف ليس نتيجة جانبية، بل رأس المال السياسي الأكثر ربحاً.

• السياسة البلطجية تُدار بالعصا أكثر مما تُدار بالعقل، وبالتهديد أكثر مما تُدار بالقانون.
القائد البلطجي لا يُخاطب المجتمع، بل يُهاجمه ويُدجّنه، ويُقسّم الناس إلى معسكرات:
موالٍ يُكافَأ، ومتردّد يُبتزّ، ومعارضٍ يُشيطَن.
لا مكان فيها لمواطن حرّ، بل لأتباع أو أعداء.
في هذا النمط من الحكم، الكذب أداة، والفوضى تكتيك، والارتباك سياسة.
تُصنع الأزمات ليُقدَّم البلطجي بوصفه المُنقذ، ويُختلق العدو لتُبرَّر السيطرة، وتُختصر الدولة في معارك لا حصر لها مع خصوم لا نهاية لهم.

• لا تنجح السياسة البلطجية دون جمهور يبحث عن يقين بدائيّ، ويُفضّل الصوت العالي على المعنى، والقبضة الغليظة على الفكرة المعقّدة.
هنا لا تكون البلطجة قمعاً من الأعلى فقط، بل تواطؤاً صامتاً بين سلطة تخيف وجماهير بدائية قلقة.

• القادة البلطجيون لا يُحبّون المؤسسات، لأنها تُقيّد، ولا يُحبّون القوانين، لأنها تُحاسِب، ولا يُحبّون الشركاء، لأنهم يُفاوضون.
يُفضّلون الصفقات السريعة على الحلول العادلة، والولاء الأعمى على الكفاءة، والاستعراض على الإنجاز.
وحين يُمتحَن الحكم حقّاً -في لحظات الانكسار، وفي الأزمات الكبرى، وفي الألم الصامت الذي لا تُداويه الشعارات- ينكشف الفرق الفاضح بين السياسي ورجل العصا.

• السياسي المسؤول يبني الدولة حتى لو خسر شعبيته، أمّا البلطجي فيحرق الدولة كي لا يخسر التصفيق.
السياسي يتحمّل المسؤولية، والبلطجي يبحث عن شماعة.
السياسي يُصلِح النظام، والبلطجي يُربكه ليبقى ضروريّاً.
السياسي يؤمن بالتاريخ، والبلطجي يعيش ضدّه.
فالسياسة البلطجية، في جوهرها، سياسة بلا إيمان: لا تؤمن بالدولة، ولا بالمستقبل، ولا بالعقد الاجتماعي، بل فقط بإطالة عمر الهيمنة، ولو على أنقاض كل شيء.

• لا تقلّ السياسة البلطجية في بُعدها الخارجي خطراً عن سلوكها داخل دولها، فهي لا تعترف بالقانون الدولي إلا حين يخدمها، ولا تحترم الأعراف إلا حين تُخيف خصومها.
تُحوِّل العلاقات بين الدول من قواعد مشتركة إلى صفقات قوة، ومن توازن مصالح إلى ابتزاز مفتوح، ومن نظام دولي هشّ إلى فوضى مُقنَّعة.
في السياسة البلطجية، المعاهدات مؤقّتة، والمواثيق أوراق ضغط، والحدود خطوط اختبار.
يُكافَأ القوي لأنه قوي، ويُدان الضعيف لأنه ضعيف.
وتُسحَق القيم الإنسانية الكونية ويُستباح العالم تحت ذريعة الواقعية السياسية.
وحين تسود هذه السياسة، لا يعود القانون الدولي مظلّة للعدالة، بل قناعاً انتقائيّاً، ولا تعود المؤسسات العالمية ساحات ضبط، بل مسارح عجز، ويتحوّل العالم إلى فضاء مفتوح للابتزاز والعدمية، حيث تُدار النزاعات بالتهديد لا بالحلول، وبالاستعراض لا بالمسؤولية.

• ما أكثر البلطجية في السياسة؛ لأن البلطجة سهلة، صاخبة، ومغرية لجماهير بدائية تبحث عن وهجٍ سريع،.. وما أندر السَّاسة حين يُمتحَن الحكم؛ لأن السياسة مسؤولية، وصبر، وقدرة على الخسارة من أجل الصالح العام.
التاريخ لا ينسى، لكنه لا يُكافئ الضجيج، ولا يخلّد مَن حكموا بالخوف والعضلات، بل يحفظ -بصمتٍ ثقيل- أسماء أولئك القلائل الذين اختاروا الدولة،
حين كان الأسهل أن يختاروا العصا.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟