طلب اسقاط الجنسية العراقية عن المرتشين والمختلسين ومعاقبتهم اجتماعيا بمنع الزواج من عوائلهم

2026/05/13

36
بقلم القاضي المتقاعد حسن حسين جواد الحميري
إن الحديث عن "الفساد الإداري" ليس حديثاً عن خلل فني أو إداري عابر، بل هو في جوهره نتيجة حتمية لفساد أخلاقي متأتٍ من وهن في السلوك الديني والمعتقدي. إن هذا الداء قديم قدم البشرية، فقد أنبأنا القرآن الكريم عن أمم كانت أشد منا قوة ومنعة، كـ "العماليق" الذين طغوا وأفسدوا في الأرض، وقوم إبراهيم الذين عبدوا الأوثان وفرعون الذي انتهك النواميس وعاث في الأرض فساداً.
لقد تكرر المشهد مع قوم هود وصالح وموسى، حيث كان "التعنت والمجادلة" وتحريف الكلم عن مواضعه هو البوابة الكبرى لضياع الحقوق وانتشار الفساد. كل هذه الامم وغيرها اصابها العذاب في الدنيا وستنال العذاب في الاخرة لعدم التزامها بالنواميس الالهية التي جاء بها رسلهم .
في الجاهلية، بلغت المجتمعات ذروة الانحدار بـ "وأد البنات" و "أكل الربا" و "نهب أموال اليتامى"، حتى جاء الإسلام بنوره ومكارم قيمه التي لخصها الرسول الأكرم بقوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فكان الجهاد الأكبر هو محاربة شهوات النفس وضبطها، وهو السد المنيع الأول ضد كل أنواع الفساد.كل ذلك من اجل الفوز بالاولى والاخرة
إن التاريخ يخبرنا أن الانحراف عن منهج الزهد والإيثاروهظم الحقوق أدى إلى أزمان غلب فيها الفرضى فظهرت "سرقة بيت المال" و "الظلم والجور" حين انشغل بعض الولاة بملاهيهم وملذاتهم وتبذيرهم الاموال دون وجه حق متناسين حقوق الاخرين وفي مقدمتهم الضعفاء و الفقراء ،فكان ميزانهم مائلا باطلا وجائر لاعدل فيه ولا مساواة ،فالحقوق والعطايا للقوي حتى قيل فيهم المثل: "وهبَ الأميرُ ما لا يملك".
وقد تجلى هذا التعسف في أقصى صوره خلال العهد العثماني، الذي اتسم بالجهل والطغيان وضيق الأفق، فكان عهداً مظلماً ذاق فيه العراقيون الويلات، وبلغ فيه الفساد المالي والإداري مستويات غير مسبوقة. ومع بزوغ العهد الملكي، بدأت ملامح الدولة الحديثة تظهر من خلال المؤسسات والبرلمان والوزارات المتخصصة، وتحسن الوضع المادي للموظف، لكن الفيروس الإداري ظل كامناً في النفوس نتيجة قرون من الحكم غير العادل، والممارسات الظالمة مما رسخ في وعي البعض ثقافة "الرشوة" و "المراوغة" كوسيلة للوصول إلى الحقوق أو حماية النفس من عسف المسؤولين.
إن المراجعة التاريخية لواقعنا المعاصر في العراق تظهر أننا مررنا بفترات استقرار نسبي، لكن المنعطف الخطير بدأ بعد عام 1979، وخلال سنوات الحروب المتتالية. لقد تسلل الفساد إلى اكثر المؤسسات انضباطا انذاك وهي "المؤسسة العسكرية" نتيجة الحاجة أو استغلال النفوذ للهروب من جبهات الموت العبثي مما أدى إلى فقدان الضبط العسكري عند البعض.
والخطر الأكبر هو "انتقال الفيروس"؛ فالموظف أو الجندي الذي اعتاد الفساد في ميدانه العسكري ينقله معه إلى دائرته المدنية. بل بلغ الأمر إلى أن يضغط المعلم على تلميذه من أجل "الدروس الخصوصية" غير المبررة. إننا نستخلص من ذلك أن للفساد أسباباً ثلاثة: ضعف الوازع الديني، الحاجة المادية، وعدم القناعة. وكما قال البوصيري:
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على ..
حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطم
فالنفس إذا لم تُلجم بالإيمان، استرسلت في غيها حتى تأكل مال أخيها بالباطل.
مع ملاحظة إن الإصلاح يبدأ من القمة، ولا بد من خطوات عملية للخروج من هذا النفق:
اولا- تحقيق الرخاء الاقتصادي: لا بد من رواتب مجزية تقضي على الحاجة والبطالة
2ثانيا. إشاعة الثقافة الدينية: التنبيه على حرمة "مال السحت"، واليقين بأن المسؤولية أمانة، والله يقول: "وقفوهم إنهم مسؤولون".
ثالثا. تفعيل الرقابة والنزاهة: يجب أن تحزم هيئة النزاهة والدوائر ذات العلاقة أمرها، وتُعرض محاكمات الفاسدين من "الكوادر العليا" علانية ليكونوا عبرة لغيرهم.
رابعا- الاقتداء بمنهج الإمام علي (ع): في زهده وحرصه على بيت المال، حين منع أخاه عقيلاً من أخذ أكثر من حقه، ليعلمنا درساً في صون المال العام من الأقارب وذوي الجاه-
خامسا-اتخاذ اجراءت اجتماعية قاسية بحق المرتشي والمكتسب والمستحوذ على الاموال العامة دون وجه حق . فازاء استشراء التجاوز واستمراء الاموال العامة لابد من النظر للفساد الاقتصادي بمستوى الاخلال بنظام الدولة السياسي كاسقاط الجنسية العراقية عن ممارسية وكذلك تحديث وتفعيل عقوبات اجتماعية تتلائم والمرحلة الراهنة ومثال على ذلك عدم اعطاء الموافقات لزواج ابناؤهم من موظفي وموظفات الدوله.
ختاماً، إن "السحت" هو استئصال للبركة والطاعات، وكما ورد في الحديث: "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به". فلنتقِ الله في أماناتنا، ولنجعل من أنفسنا قدوة في النزاهة والإيثار.
ندعو الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا إلى سبل الرشاد.
والسلام عليكم ورحمة وبركاته