إيران وإسرائيل.. سردية العدو في المخيلة العربية
2026/04/07
 
30

الشيخ ولد السالك

في الوعي العربي، كثيرًا ما يتجلى العدو بوصفه صورةً موروثة، مقيمةً في الذاكرة أكثر مما هي حاضرة في الوقائع.

 كأن الأمة، عبر عقود طويلة من الانكسارات والخيبات والشعارات الكبرى، لم تعد ترى خصومها كما هم، بل كما استقرت صورهم في مخيلتها. وهكذا يغدو “العدو” في أحيان كثيرة كائنًا رمزيًا، أكبر من الجغرافيا، وأبقى من تغير الأزمنة، وأشد رسوخًا من تبدل موازين القوة.

 من هنا يبدو مفهومًا هذا الإصرار المستميت لدى أصوات يسارية وإسلامية في أنحاء من العالم العربي على أن تمنح نفسها حق تحديد عدو دول الخليج، وأن تدفع، بقدر كبير من اليقين الأيديولوجي، نحو القول إن إيران ليست عدوًا، وإن إسرائيل وحدها هي العدو الذي ينبغي أن تستقر عليه البوصلة. ويجري ذلك، على نحو يفيض بالمفارقة، فيما الصواريخ والمسيرات الإيرانية ترسم بأزيزها حقيقةً أخرى، وفيما مشروع إقليمي كامل أعلنت عنه إيران نفسها عندما قالت إنها أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية . ومع ذلك، لا تزال تلك الأصوات تتشبث بنبرة الوصاية، كأن الجغرافيا لا تصنع فرقًا، وكأن الذين يعيشون على تماس مباشر مع التهديد ليسوا الأعرف بحقيقته والأجدر بتسميته.

 والمسألة هنا ليست اختلافًا عابرًا في التقدير السياسي، بل هي في جوهرها خلل في تعريف العدو نفسه. فالعدو، في منطق الدول ليس من تكرهه الذاكرة، بل من يتربص بالدولة بالفعل؛ من يطوّق أمنها، ويخترق مجالها، ويهدد استقرارها، ويتحين لحظة ضعفها لكي ينفذ منها إلى قرارها وسيادتها ومستقبلها. أما أن يظل الوعي العربي أسير عدوّ تاريخي واحد، مهما تبدلت خرائط التهديد، فذلك يعني أن الخيال ما زال أقوى من البصيرة، وأن الإرث الرمزي ما زال أعلى صوتًا من الواقع.

 صحيح أن إسرائيل تحتل أرضًا عربية، وصحيح أن هذا الاحتلال جرح مفتوح في الضمير السياسي والأخلاقي، لا يصح إنكاره ولا القفز فوقه. غير أن الصحيح أيضًا أن المخيلة العربية ذهبت بعيدًا في تضخيم “العدو الصهيوني” حتى جعلت منه تفسيرًا جاهزًا لكل ما استعصى عليها فهمه. كل غموض يُردّ إليه، وكل تعثر يُعزى إليه، وكل فشل يلوذ بظله. وكل نجاح لأي بلد عربي تلفق له تهمة جاهزة أنه يتعامل مع العدو كأن هذا العدو لم يعد خصمًا سياسيًا وتاريخيًا فحسب، بل تحول إلى بنية نفسية تقيم فينا، وخوفٍ متوارثٍ يعشعش في تفاصيل وعينا، وذريعةٍ جاهزة تريحنا من مشقة مساءلة الذات.

 ولعل أخطر ما في سردية العدو حين تتحول من أداة فهم إلى مأوى ذهني هو أنها تعفينا من مواجهة أنفسنا. فبدل أن نسأل لماذا تأخرنا، ولماذا تراجعت الدولة في بعض أوطاننا، ولماذا نجحت مشاريع النفوذ والمليشيا والاختراق، نكتفي باستدعاء الخصم التاريخي الكبير، ونحمّله، مرةً أخرى، وزر الهشاشة الكامنة فينا. وهنا لا يبقى العدو خطرًا خارجيًا بل يصبح أيضًا ستارًا نُخفي وراءه عجزنا عن النقد الذاتي، وعن تسمية الأخطار بأسمائها الراهنة.

 ليس من العدل، ولا من الحكمة، أن تتولى دول غير محاذية لإيران، أو نخب بعيدة عن تماسّها الأمني والجغرافي، مهمة تعريف العدو لدول أخرى تواجهها مباشرة. فالأمن ليس بيانًا أيديولوجيًا يُكتب في عواصم آمنة فالذين يعيشون تحت ضغط الخطر أحقّ بتسمية عدوهم ممن يراقبونه عن بعد.

 والسنوات الأخيرة، بكل ما حملته من حرائق وانكشافات، أظهرت أن أخطر ما واجه العالم العربي لم يكن خطرًا واحدًا، بل مشروعين تضافرت آثارهما في تقويض الدول وإرباك المجتمعات: المشروع الإيراني، ومشروع الإخوان. الأول اشتغل على التمدد عبر الوكلاء والميليشيات والطائفية والسلاح العابر للدول، والثاني اشتغل على إنهاك الدولة الوطنية من داخلها، باسم أيديولوجيا تتقدم فيها الجماعة على الوطن، والتنظيم على الدولة، والولاء العقائدي على العقد الوطني. وبين هذين المشروعين، دفعت أوطان عربية أثمانًا باهظةً من استقرارها ووحدتها وسيادتها.

 ومن المفارقات التي لا تستسيغها الذهنية العربية التقليدية، أن من أسهم، موضوعيًا وفعليًا، في كبح المشروع الإيراني في أكثر من ساحة عربية هو بنيامين نتنياهو، بصرف النظر عن خلافنا معه، وبصرف النظر عن موقفنا من سياساته وعدوانيته وملفاته الثقيلة. ذلك أن السياسة لا تُدار بمنطق الصفاء الأخلاقي المجرد، وإنما بمنطق الوقائع والنتائج وتقاطعات المصالح. قد نختلف معه، بل قد نخاصمه أشد الخصام، لكن هذا لا يعفينا من الاعتراف بما وقع على الأرض. والوعي الرشيد يواجه الحقائق كما هي، حتى ولو جاءت من يد خصم عتيد.

 لقد تبدل العالم، وتبدلت معه خرائط القوة، وتغيرت لغة النفوذ، لكن جزءًا غير قليل من العقل العربي ما يزال مشدودًا إلى معجم الأربعينات والخمسينات، كأن الزمن لم يتحرك، وكأن الأمم لا تُقاس بما تنتج وتبتكر، بل بما تكرر من هتافات وذكريات. والحال أن عصر السرعة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي لا يُدار بعقلية التعبئة القديمة، ولا تُخاض معاركه الكبرى بمنطق الإذاعات الثورية والبلاغات الحماسية. الشباب العربي اليوم ليست مطالبه هي مطالب الأمس؛ إنه يريد فرصةً، وأفقًا، وتعليمًا، واستقرارًا، ومكانًا في العالم لا على هامشه. إنه يريد السلم، لأنه يدرك أنه الشرط الأول لكل بناء حقيقي.

 وهنا ينهض السؤال الذي طالما تهربنا منه: إلى متى نظل ننظر إلى إسرائيل من قفص بعيد، نحدق فيها بحنقٍ وعجز، من غير أن نلتفت إلى المهمة الأشد إلحاحًا، وهي بناء دولنا وأجيالنا ومؤسساتنا لكي نبلغ مرتبة الندّية؟ لا يكفي أن نلعن التفوق؛ يجب أن نصنع ما يوازيه. لا يكفي أن نحتج على الفجوة؛ يجب أن نردمها. فلا الندية تُنال بالشعارات، ولا القوة تُستعار من الغضب، ولا التفوق العلمي يُواجه بخطابة سياسية مهما علت نبرتها. وحده العمل الهادئ، العميق، الطويل، هو ما يصنع أممًا قادرة على المنافسة.

 إن تحرير الوعي العربي من أسر “العدو التاريخي” لا يعني أبدًا تبرئة إسرائيل، ولا يعني خيانة الذاكرة، ولا يعني إطفاء الحساسية الأخلاقية تجاه القضية الفلسطينية. بل يعني، ببساطة وصرامة، أن نتعلم التمييز بين التاريخي والراهن، بين الرمز والتهديد الفعلي، بين ما يجب أن يبقى في الذاكرة، وما يجب أن يدار بالعقل السياسي في الحاضر. فالأمم لا تُحسن حماية نفسها حين تُصرّ على العيش داخل صور قديمة للعداء، بينما الأخطار الجديدة تعيد تشكيل المنطقة من حولها.

الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟