نظـــــرية المـؤامرة .. حَقيقَـة أم وَهْــــــم
2020/10/22
 
618

عدنان شاكر

ورد مصطلح نظرية المؤامرة لأول مرة في مقالة إقتصادية نشرت في مجلة أوروبية في بداية العشرينات من القرن الماضي ، ومع مرور الزمن تم اعتماد المصطلح في عدة معاجم وقواميس ، بعد أن جرى تداوله في الستينات لشرح السبب النهائي لحدث أو سلسلة من الأحداث السياسية والإجتماعية أو أحداث تاريخية على إنها ( أسرار ) ، وغالبا ما يحال الأمر الى جهة متآمرة تقف بشكل منظم وراء مسار الأحداث .

الكثير من مؤيدي نظرية المؤامرة يَدَّعون أن الأحداث الكبرى في التاريخ قد هَيْمَنَ عليها المتآمرون وأداروها من وراء الكواليس . وقد وَجَدَ هذا الطرح قبولاً واسعا لدى شعبنا في العراق وباقي شعوب الدول العربية ، إلا أن هناك فئات جَمَة تأثرت بتطور وازدهار المجتمعات الغربية التي تُتَهَم بالمؤامرة ضد العالم العربي تقف بالضِد من هذه النظرية وتصف حامليها بالتخلف والغباء وتعطيل العقل .

لاشك أن التصديق التام بنظرية المؤامرة هو تعطيل للعقل ، ولكن هل تجاهلها هو تعقيل للعقل ؟ خصوصاً وإن الكثيرون لا يعرفون إن هذه النظرية تنتشر أيضا في الغرب وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية ، لهذا ينبغي أن نحاكم هذه النظرية بعقولنا وواقعنا سواءً كنا مؤيدين أو منكرين بعد أن نالت كل هذه الشهرة . إذ وبالرغم من صحة هذه النظرية أحيانًا ، إلا إنها أصبحت كالشماعة نعلق عليها عجزنا وضعفنا وأخطائنا باعتقاد مفاده أن العالم كله منشغل بالتآمر علينا . قد يكون في هذا جزء من الحقيقة ولكنها ليست الحقيقة كاملة فهناك أسباب أخرى كثيرة تقف وراء ما يحدث لنا .

المنكرين لنظرية المؤامرة يُعللون سبب شيوع النظرية لا يعود فقط لغياب الفكر النقدي العقلاني ، بل أيضا يعود للتراكيب التاريخية للمجتمعات ، فثمة مجتمعات ترتقي بها فكرة التآمر لتغدو الأداة اليتيمة لتفسير الأحداث والعلاقة مع العالم الخارجي ويعتبرونها نظرية خطيرة وتنزل ضررا كبيرا بالمجتمعات ، فهي تعمل كما لو إنها ضرب من الإنكسار السياسي أو على نحو أدق نوعاً من التفكير يتعمد طَمْس حقيقة الواقع المؤلم ويشيح الوجه عنه ، ولعل ذلك مايفسر شيوعها في المجتمعات المتخلفة . وَهُمْ أيضًا يرون إن البعد التاريخي لنظرية المؤامرة قَدَمَ سلاحاً مهماً بيد الدولة الإستبدادية مِمَّا جعل الأخيرة تنتج سَرْديات للمؤامرة وتشجع نظريات المؤامرة لمصلحة سلطتها المستبدة ، ويرون كذلك إن التآمر هو شكل من أشكال الخطاب السياسي الأيديولوجي التعبوي ، ويتهمون المؤمنين بالنظرية بإنهم أسرى لأفكار ظلامية طغت على عقولهم بسبب التخلف عن ركب الحضارة الإنسانية والإكتفاء بالعيش على هامشها ، ويعتبرون كل من يعتقد بنظرية المؤامرة ناقِم على التطور الحديث والعلم والتكنولوجيا .

أما المؤيدون للنظرية فيقولون ، إن نظرية المؤامرة ليست وَهْم من نسج الخيال ولا من رجم الغيب ، إنما هي حقائق ووقائع واعترافات سجلتها الوثائق التاريخية لأشخاص كانوا في قلب الحدث أو من خطابات موثقة لكثير ممن صَنَعَ الحدث ، وكذلك يظهرون ما لديهم من معطيات حضارية وحقائق تاريخية تؤكد صدق كلامهم وتدلل على صحة نظرية المؤامرة ، بل ويعزون إليها كل أسباب التخلف الحضاري التي تعيشها دول منطقتنا العربية على وجه التحديد ، ويضيفون إن منطقة الشرق الأوسط والتي كانت تعرف لقرون طويلة بمنطقة ( الشرق العربي وتم تبديلها بهذا الإسم كجزء من مؤامرة كبرى ) حيث تعرضت هذه المنطقة لِعمليات التآمر عبر التاريخ لأسباب عديدة أهمها الموقع الإستراتيجي كمنطقة وسط لملتقى حضارات الدنيا ، وكبقعة عرفت منذ القِدَم بثرواتها الطبيعية ،  وكمَهْد أزلي لجميع الأديان السماوية . ومن أبرز جوانب التآمر على منطقة الشرق العربي إتفاقية سايكس بيكو التي تم التوصل إليها بعد مفاوضات سرية أثناء الحرب العالمية الأولى وانتهت بتقسيم المنطقة العربية الى عدة دول ، ثم تعددت المؤامرات بعد الحرب العالمية الثانية إذ تبعها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والحرب الإسرائيلية على العرب عام 1967 ، والحرب العراقية الايرانية عام 1980 ، وغزو الكويت عام 1990 ، ثم جاءت قاصمة الظهر بسقوط بغداد واحتلال العراق عام 2003 وما تبعه من تغول حاقد للنفوذ الايراني والتركي ، واندلاع ثورات الربيع العربي ، وصعود الاسلام السياسي وانبثاق الداعشية والولائية .

قد يكون رفض منطق المؤامرة كطريقة للتفكير هو مسلك علمي ، لكن ذلك لايعني إن كل أحداث الواقع تقع بتلقائية طبيعية أو بالصدفة ، إلا أن البحث في تفسير الأشياء تفسيرا علميا يحتاج الى بحث ودراسة لمعرفة دقائق الأمور والقدرة العقلية على التحليل والتركيب ، وهذا لايتوفر للكثير من الناس مع وجود الحاجة الملحة لدى كل إنسان لتفسير ما يجري من أحداث وخاصة ما يغمض منها ، وفي هذه الحالة تشكل نظرية المؤامرة ( حلاً تفسيريا ) يمتلك القدرة على تفسير كل شيء بيسر وسهولة ليغطي العجز والفشل عن كل ما حَدَثَ و يَحْدُث . وإذا كان منطق المؤامرة يخالف المنطق العلمي في البحث عن العلل والأسباب لوقوع الأحداث ومعرفة ملابساتها وأهدافها ، فإنه كذلك له تأثيرات سلبية على المستوى النفسي حين يَتَحَوَل الفاعل أو المتآمر لدرجة تشيع العجز عن فعل أي شيء إتجاه ما يحدث أو إحتقار الذات والإعتقاد بدونيتها . كما أن تَحَوُل منطق نظرية المؤامرة من نظرية للتفسير الى إيمان مطلق بدون دليل ، يشكل حتمًا عامل إحباط يمارس دورا سلبيًا عندما يَصِل الحال بأصحاب نظرية المؤامرة الى القول بأن رَفْض ونَقْض النظرية هو دليل على وجودها .

ختاماً ، في الحالتين المؤيدة والمنكرة لنظرية المؤامرة نعتقد إننا أمام تزوير ( قَصْ ولَصْق ) وكأننا في إمتحان يتوقف النجاح فيه على ما يراه ويريده الآخرون وليس على ما نراه ونريده نحن بدافع من رغبتنا في إصلاح أوطاننا وتحقيق آمالنا وتطلعاتنا في نهضة شاملة ، كما أن التصرف الذي ينبع من الإنبهار بالآخر الى درجة جَلْد الذات وجعله الحَكَم على كل ما نفعله هو شعور لا يليق في أمة مثل أمتنا ، لها تاريخ حضاري طويل ، ولها حاضر فيه الكثير من القدرات العالية والإمكانات الواعِدَة ، ولها مستقبل يمكن أن نبنيه بأفضل مما هو كائن إذا ما تعاضَدْنا وتَخَلينا عن صراعاتنا التي لا تستحق الصراع ، وإذا ما ساهمنا واشتركنا مع الآخر في بناء الحضارة البشرية بكل نِدِيَة وسلام ، وبكل نُبْل وشموخ إنساني .

الاستبيان
هل تؤيد الغاء انتخابات الخارج؟