المقالات
في حضيرة الحروب المدنسة ... كورونا .. والبغال ..والفئران كل الوسائل متاحة في خدمة تحقيق الغاية !
2020/06/29
 
25

حسين الذكر

 

منذ اقدم العصور ومع نشوء التجمعات الإنسانية على خطى تلمس الحضارة التي كان اسها التنافس والاستحواذ والسيطرة والغلبة عبر كل الوسائل المتاحة لغرض تحقيق الهدف وفقا لنظرية ( الغاية تبرر الوسيلة ) التي تعد اكثر النظريات السياسية صراحة ووقاحة .. شهدت جميع حروب العالم - بمعزل عن عناوينها التي تطلق حسب رغبات ونزوات من اشعل فتيلها مقدسة كانت ام مدنسة – استخدام اشكال صور القتل والدمار والتخريب لاجل استسلام الاخر ..

هنا يذكر لنا التاريخ العالمي مقطعا معبرا نادرا وجميلا حد الطرافة حينما تعترض اقلية من برلمان اسبرطة على قرار الملك بعد شنه هجوم واحتلال أثينا برغم عقد التحالف الموقع بينهما .. فقد قال المعترضون : ( ان كسر التحالف من قبلنا دون أي مسوغ وبلا سابق انذار يعد عملا غير أخلاقي .. ) .. الا ان الملك رد حازما بدراية سياسية لا تحتمل معنى اخر : ( ان العدالة تكمن في مصالح بلدنا وحماية مملكتنا دون البحث عن أي تبرير او تعليل للاساليب التي تحقق ذلك ) .. بعد قرون واجيال وفي ذروة انطلاق الانسان نحو الحضارة الحديثة قال تشرشل رئيس وزراء بريطانيا واهم ابرز ساسة الاستعمار الحديث قولته الشهيرة : ( ليس لبريطانيا العظمى أعداء وأصدقاء دائمون .. بل هناك مصالح دائمة ) ..

لغة السياسة خاصة جدا مفرداتها نخبوية تخص من يلعبون بمقدرات العالم كل حين .. تبقى حروفها ومضامينها عصية الفهم الا عندهم ومن تخرج من مدارسهم شرق العالم وغربه .. اذ يغطون ميدان الحياة ويومياتها وجميع شؤونها واجزاؤها فلا يتركون شبر دون تغطية كي لا يفلت مقبض العالم من ايدهم .. لذا هم متقدمون مسيطرون يرتعون بخيرات البلدان المحتلة يسرون الملفات بطمانينة وكما يخططون .. المقتضيات تجعل من لغتهم ظلامية بحتة لا يجوز نطقها الا خلف الاستار وفي غرف الظلام الدامس البعيد .. انها اقرب لمفهوم الشيطان الهلامي الذي تتحدث عنه لغة الأديان او ذلك الغول الذي تنتشر حكايته بالقرى والارياف .. فهي اسرار تستبطن اكثر قوة وتاثير من غيرها ... ميدانها الطبيعي مستتر بعيدا عن الراي العام الذي هو تحت مرماها واستهدافها لا لاجل خدمته بل لترويضه وتوجيهه كاداة لتحقيق أهدافه على حساب العام ..

هنا تكمن طرافة تعريف السياسة بمعنى ساسة الخيل . اذ يؤرشف لنا بعض مؤرخو الحرب العالمية الأولى تفاصيل مهمة ووقائع تعد جزء من العمود الفقري للحرب الكونية القائمة على شعارات رنانة تعبر عن التحرير والدين والمجتمع .. لكنها في الحقيقة تستهدف الانسان لتحقيق أغراض ذلك الحديث الظلامي وراسمي خططه  .. تقول بعض حكايات الحرب الأولى ان تركيا اتخذت بعض القرارات المضحكة المبكية حينما اعلنت النفير العام عام 1914 استعدادا لدخول الحرب وقد أصدرت قيادتها فرمانا – قرار – يقضي بالقاء القبض على كل البغال والخراف والخيل والابقار التي تقع ضمن حدود مناطق الجيش لغرض الإفادة منها في الحرب .. - قطعا - تلك الحيوانات لم تكن ملك صرف للدولة ولا للجيش ولا جزء من الحرب العالمية سوى انها كانت ضحية أخرى مما تبقى من أملاك عامة الناس – الراي العام - التي يعتاشون بها ومن خلالها حيث اصبحوا بين يوم وليلة بلا مورد يعيشون به سوى اعطاؤهم ورقة لا قيمة ولا رصيد لها .. توحي بانهم سيعوضون بعد الحرب .. التي يعلم قادتها ومخططوها وشاعلي فتنها ونيرانها ممن يجيدون لغة الظلام ان الحرب العالمية سوف لن تنتهي على الشكل الذي بداته اذ سيتغير ميزان القوى وخارطة الدول التي ستشهد انتهاء حقب وزوال امبراطوريات وهلم جرى .. فيما يبقى الناس سادرين في رحى مطحنة الظلاميين  ..

 

قطعا من يكون هدفه الاحتلال والاستيلاء على مقدرات العالم لا يكون ساذج ولا يتوقف عند المباديء ولا يتوان باستخدام كل الأسلحة المدنسة لتحقيق مبتغاه الذي لا يقف عند حدود .. يحدثنا التاريخ الموغل بالقدم عن استخدام الامراض كسلاح فتاك بيد الغزاة لتحقيق أهدافهم بصوره المتعددة وشتى اشكاله .. فالاشوريين قبل ستة قرون من الميلاد كانوا يستخدمون فطريات صدا القمح السامة وذلك من خلال رميها  في الابار والمياه كي يسموا بها اعدائهم .. فيما التتار لجأوا الى طريقة جمع الفئران وقتلها ورميها خلف استار المدن المحاصرة لانتشار مرض الطاعون .. اما الروس فكانوا يلقون جثث قتلى الخصوم على المدن الإسلامية المحاصرة لتقتلهم وتدمر نفسيتهم من خلال الامراض المستشرية .. كذا لجا الامريكان الى حيلة خبيثة في حربهم ضد سكان الامركيتين الأصليين ممن عرفوا بالهنود الحمر اذ اخذوا يوزعون لهم بطانيات تحميهم من شدة البرد فيما كانت تخبيء بمضمونها جمرة امراض الجدري .. كذلك نابليون أسس بعض الوحدات العسكرية التي تحددت مهمتها البحث وجمع الحيوانات النافقة واستخدامها عند الضرورة بالانهار وعيون الماء وإمكان أخرى تصيب الاخر بالاوبئة الفتاكة .. كذلك بريطانيا عاقبة الايطاليين لتحالفهم مع المانيا في الحرب العالمية الأولى اذ وضعوا لهم في مياه الشرب والاستخدامات الأخرى جراثيم مرض الكوليرا ..

يذكر الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات من تاريخ العراق الحديث ( ان العراق كان ارض خصبة لاستخدام الامراض بصورة مباشرة او غير مباشرة كسلاح فتاك لاحتلاله من جميع جيوش الغزاة .. اذ عادة ما كانت الأوبئة تسبق الحروب بعد ان تصيب الناس وتخلخل الراي العام كما نها تمرض وتقتل الجنود والقادة وتسهل مهمة الخصوم قبل نزولهم الميدان .. كما تحدث عن انتشار الكوليرا بموجات متباعدة متعددة خلال عقود الاحتلال العثماني الذي كانت فيه الناس تموت بمئات الالاف فيما لم ينجوا الا من يلجا الى السفارة البريطانية او الإنكليزية والكنائس التي كانت تنتشر فيها دعايات تعد الناس بعلاج مضاد للمرض  – والمعنى في قلب من يجيد لغة الظلام – ، اما من لا يتعلم تلك اللغة او في الأقل يجيد تهجئتها ولو بتلكا سيبقى ابدا الدهر تحت رحمة أسلحة قادة الظلام ما كان منه جيش الكتروني او جرثومي مرضي مثل الكوليرا والايدز وجنون البقر وافلاونزا الطيور .... وغير ذلك الكثير مما يدعون ويروجون .. واخيرا وليس اخرا – كورونا – التي ليس هدفها الفتك بالناس .. بل ذلك تكتيك لتحقيق غرض استراتيجي دائم يسمى بالهيمنة والسيطرة والاستغلال وعبودية الاخر ... الذي ما زال الواقع يشهد فيه عن كيفية تعاسة مليارات البشرية في شرق الكوكب الأرضي وجنوبه خاصة ...  فيما تستمتع ملايين النخبة الظلامية ومن يدور بفلكها بكل تقنيات وجماليات الحضارة على حساب تلك المليارات البائسة الا من رحمة الله الذي لا امل الا عبر رحمته ..